منذ أن قام جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة بزيارة إلى جمهورية الصين الشعبية العام الماضي (منتصف شهر سبتمبر 2013)، والتفسيرات السياسية في المقام الأول تتناسل بسرعة كبيرة في المغازي الواقفة وراء هذه الزيارة الكبيرة، وما يعنيه هذا الوفد المرافق الكبير الذي حضر الزيارة وشارك في توقيع عدد من مذكرات التفاهم التي تحتاج إلى التفعيل.
لكن أكثر ما لفت الأنظار في الأخبار التي تلت هذه الزيارة؛ دعوة الشركات الصينية لإنشاء 40 ألف وحدة سكنية في البحرين، وهو المشروع الذي أثار زوبعة من الإشكالات في البحرين عند طرحه في العام 2010، والذي رفضه مجلس النواب حينها، ووقف ضده عدد من التجار المحليين، خصوصاً المقاولين الذين رأوا أنهم سيفقدون الكثير من المناقصات التي يمكنهم من خلالها الاتفاق مع وزارة الإسكان لبناء هذه الوحدات التي طال انتظارها، والتي شكلت أكبر مصادر القلق والقلقلة في العشرية الأولى من القرن الحالي وحتى يومنا هذا المتمثلة في عدد من الإشكالات، وهي: توفير الموازنة اللازمة لبناء بيوت ووحدات سكنية، توفير الشركات العاملة على إتمام هذا العدد المتزايد والمتراكم من الوحدات السكنية المطلوبة، وبالسرعة التي يمكنها أن تمتص هذه الطلبات المتزايدة التي لا تريد أن تقل أو أن تتزحزح عن ما بين 50 ألفا و40 ألفا من الطلبات الجامدة، والإشكالية الثالثة المهمة وهي إيجاد المساحات القادرة على استيعاب هذا العدد الكبير من الوحدات السكنية اليوم، وما سيليها من أعداد لن تتوقف عن النمو غداً وبعد غد.
أما الإشكالات الأخرى المصاحبة لما سبق فتتمثل في الأموال التي يمكن أن تتسرب إلى الخارج من دون أن يستفيد منها الاقتصاد الوطني بشكل مباشر أو غير مباشر.
في فحص ما مضى من الأسباب التي أدت إلى تقويض المشروع من أساسه، فإن من بينها أن البيوت المقترحة ستكون صغيرة جداً، لا تتناسب مع متطلبات المواطن البحريني، والأسرة البحرينية. ولو تم تفحص الوحدات المقامة حالياً في أكثر من مكان على مستوى المملكة، فإن الشكوى الأساسية التي تأتي أنها وحدات صغيرة جداً، وغالباً ما تأتي مقولة باتت من قبيل الأمثال الشعبية، وهي أنه “عليك أن تختار بين دولاب الملابس أو السرير في غرفة النوم”، دليل على ضيقها، فهل ستكون الوحدات الصينية أصغر منها، أي هل سيكون الخيار مستقبلاً أن تنام واقفاً أو متربعاً مثلاً؟!.
وموضوع تسرب أموال إلى الخارج بعشرات الملايين من الدنانير لصالح دولة أجنبية، فهذه مقولة حقيقية. فبالعودة إلى الأرقام التي طرحت في 2010، فإن كلفة الوحدة السكنية الواحدة تتراوح بين 22 و24 ألف دينار، وهي كلفة “خيالية” من حيث تدنّي السعر، فلو تم احتساب سعر الوحدة الواحدة بنحو 23 ألف دينار، فإن كلفة الأربعين ألفاً هي 920 مليون دينار، أي قرابة المليار دينار، وهو مبلغ كبير حقاً يمكن أن يخرج من البلاد ولا يجري تدويره في الاقتصاد المحلي. ولكن أليس وجود أكثر من نصف سكان البحرين من الأجانب (بالتحديد 667 ألفاً كما في العام 2013) [1]، هو من قبيل تحويل أموال محلية إلى الخارج قدّرت بنحو ملياري دولار (754 مليون دينار) في العام 2011 [2]، وبشكل شهري، وإلى غير عودة، وتقدر بعشرات ومئات الملايين.
ناهيك عن الوعود بصمود الوحدات الصينية 90 عاماً، وهو الأمر الذي لم نره في البحرين التي تتطلب مبانيها – بشكل عام – صيانة بعد السنوات العشر الأولى من السكن، بينما تشير تجربة وزارة الإسكان إلى أنها قامت بهدم بعض الوحدات الإسكانية (في البسيتين، والمسماة الإسكان الكوري) بعد حوالي 30 عاماً من إنشائها بحجة أنها “قديمة جداً”! إضافة إلى وعود أنها تقلل فاتورة الكهرباء بنسبة 60 %، وهذا إذا ما كان حقيقياً، وإذا ما انعكس على فاتورة المواطن المستفيد، فإنها ستنعكس أيضاً عن اضطرار الدولة لإنتاج المزيد من الكهرباء، أي المزيد من الغاز المشغل لمحطات الإنتاج الكهربي، وهو واحد من العناصر العزيزة التي تحتاجها البحرين لطاقتها الكهربية، وإنتاجيتها من الألمنيوم، أي انخفاض في “البصمة الكربونية” للمملكة.
وبحسب الدكتور وهيب الناصر، فإن متوسط استهلاك المواطن البحريني حوالي 3000 كيلووات/ساعة، وكل كيلووات/ساعة يعادل نفث كيلوغرام واحد من ثاني أكسيد الكربون، فإن الحساب بهذا الشكل يقول إن البحرين يمكنها أن تخفض من نسبة بعثها ثاني أكسيد الكربون في الجو بمقدار 72 ألف طن سنوياً، وأن الوفر الذي ستحققه – نظرياً – في مجال إنتاج الكهرباء سيكون عبارة عن حوالي 10 ملايين دينار سنوياً. هل يسوى هذا المبلغ، أو هذا الأثر البيئي أن تذهب البحرين في هذا الخيار؟. في الأوساط العلمية، إن أربع سنوات تعني الكثير، فلربما تطورت التقنية، وربما اتسعت البيوت، وربما تم تعديل المواصفات التي سبق أن رفضها مجلس النواب في السابق، وربما سيكون للاتفاقات الجديدة أثر أفضل – ولو بشكل نسبي – على الاقتصاد البحريني، أو ربما سيكون للمقاولين المحليين دور، صغير كان أم كبير، في تنفيذ هذا المشروع!.
السؤال الأهم الذي لابد أن يطرح - فلقد جرّبت البحرين الكثير من مفاتيح الحلول للخروج من المشكل الإسكاني الذي ظل عالقاً على الرغم من محاولات جميع الوزراء الذين تولوا أمر هذه الوزارة، والذين أرادوا – وهذا من حقهم الطبيعي – أن يسجل في سجلّ أعمالهم أنهم من قاموا بحل هذه المعضلة، ولكن أياً من هذه الحلول لم يكن مجدياً. وليست البيوت الصينية – بالضرورة - هي الحل السحري الذي ستنتظره الجماهير. ولكن لا توجد حلول من دون ضرائب، والسعي فقط لأن تكون هذه الضرائب أقل كلفة قدر الإمكان. ونعود إلى السؤال: هل هذا سيكون خيارنا الاستراتيجي للانتهاء – مؤقتاً – من المسألة الإسكانية كي نلتقط الأنفاس ونخطط – ولو لمرّة واحدة – في الآتي؟.