آليت على نفسي ألا أكتب عن المؤسسة التي تخرجت في الأمس البعيد منها، والتي أعمل حالياً فيها (جامعة البحرين) لا مدحاً ولا قدحاً، محاولاً قدر الإمكان عدم خلط الخاص بالعام، وعدم إحداث ما يُعرف بتضارب المصالح بين الرأي الذي أكتبه بصفتي كاتباً مستقلاً، وبين طبيعة عملي في المؤسسة، وذلك حتى استمتع بالاستقلالية قدر الإمكان. وبعض ما سأكتبه هنا أرجو أن يكون الأول في هذا المقام، وأتمنى أن يكون الأخير أيضاً، إذ هو ليس سوى مدخل لقضية تتجاوز المؤسسة وتذهب إلى نطاق أوسع.
فمنذ أن أعلنت جامعة البحرين في الصيف الماضي تقدم ما يربو على خمسة آلاف طالب وطالبة للدراسة بها في هذا العام الدراسي، وبدأ عدد من الطلبة “يغرّدون” في مسألة مواقف السيارات الخاصة بهم، على أنهم سيرون عاماً دراسياً لا يميزه إلا الاكتظاظ. ونعلم جميعاً أن كثيراً من القضايا تخلط ما بين الحقيقة والواقع، وما بين المتخيَّل العام أو الشعبي فيها. والحقيقة والواقع يشيران إلى أن طلبة بعض الكليات يتكدسون في مواقف قريبة من مداخل كلياتهم، ويتركون مواقف سيارات أخرى شبه فارغة ولكنها أبعد قليلاً عن مكان دراستهم. ومع توفير حافلات لا تتوقف عن الدوران لنقل الطلبة من المواقف إلى كلياتهم، فإن الشكوى مستمرة، وعلى الرغم من أن إدارة المؤسسة قد انتهت في نهاية الأسبوع الماضي إلى وضع حلول بزيادة عدد الحافلات 40 % وتظليل بعض المواقف البعيدة وتهيئة مواقف بشكل مؤقت على وجه السرعة؛ إلا أن التبرم والتهكم وعدم التصديق هو ما ساد التواصل الاجتماعي الطلابي، وساعدهم بعض الطلبة الصحافيين في فرد “صفحات” لمشكلة “الباركات”، من دون الدخول في قراءة ما تمت كتابته من الناحية المعلوماتية والصحافية، فإن القضية الأكثر من هامشية في مجتمع يعجّ بالكثير من المشاكل الممتدة طولاً بفعل الزمن، وعمقاً بفعل الخطورة؛ قد أعطيت أكبر من حجمها طولاً وعرضاً، ولكن هذا ليس بيت القصيد، لأن الأمر لا يتعلق بطلبة في إحدى الجامعات، ولكنه مدخل لمحاولة تفكيك وفهم لسلوك من سلوكيات ومواقف طرائق تفكير المواطن البحريني بشكل عام.
لو نظرنا إلى قضية “الباركات” – إن كانت هي قضية في الأساس - لوجدناها قريبة جداً من قضية الجمع الكبير من المواطنين الذين لا يريدون وحدات سكنية إلا حيث وُلدوا وترعرعوا، ويعتبرون التوزيع العادل للوحدات السكنية يجب ألا يدخل “الغريب” إلى الأراضي القريبة من مناطقهم، أحيائهم، مدنهم، قراهم، وان ساكني المنطقة هم أولى الناس بها، فيستشيطون غيظاً وغضباً لأن التوزيع قد ذهب إلى غير الممتدة جذورهم فيها، قد يعترضون، قد يعتصمون، قد يتظاهرون، أمور كثيرة قد يقومون بها، لسلوك أو مواقف تربّت فيهم على الانعزالية، وعلى أن الوطن هو منطقتهم وما قاربها، لا يذهبون إلى مناطق أخرى إلا مرغمين، على الرغم من أنها البحرين ذات الأبعاد الجغرافية المحددة. وتلافياً للضغط المتواصل تعمل الجهات الرسمية على تلبية ما يطلبه المستهلكون حتى وإن كان في هذا خلخلة للعدالة، أو استدعى موازنات إضافية، اعتقاداً منها أن هذا سيبعث على الرضا وسيرسم ابتسامة على الوجوه، لأن الأمر لن يقف أبداً عند هذا الحد، ففي المكان الجديد للسكن، أو الامتداد للقرية، أيضاً ستظهر أصوات من جديد تشير إلى من حصل على قسيمة على شارعين، ومن كانت إطلالة وحدته ليست كإطلالة جاره، أو أن بيته يقع في آخر المشروع أما أصحاب “الواسطات” حصلوا على منازل في الجزء المحاذي للمنطقة، قصص وشكاوى لا تنتهي أبداً.
ويمكننا سحب هذه الأمثلة على المطالبة بوجود مدارس قريبة من المنازل، وجامعات في كل محافظة لأن المسافة بعيدة! مستشفى وعدد من المستوصفات في كل منطقة، ومرفأ للصيادين وكذلك ممشى في كل دائرة انتخابية، ومجمع تجاري ضخم في كل مدينة، أبداً لا يختلف عن المجمعات الأخرى، لا شكلاً ولا مضموناً، يحمل الأنساق الهندسية ذاتها، وبداخله المحلات التجارية عينها، وينتهي الأمر إلى نسخ المجمعات لتشكل ثقلاً وضغطاً على المساحات المحدودة، بدل أن تكون إضافة نوعية حقيقية لأننا لا نملك هذا الترف من الأراضي إلا على حساب بحرنا المسكين الذي أصبح كالحاً لا وجه له.
لو نظرنا إلى المسألة لوجدنا أنها عملية مشتركة بين أطراف عديدة لتتحول من مسألة إلى مشكلة في نهاية المطاف، لأننا في كل مرة إما أن نستسلم للضغوطات، وإما أن نقوم بزيادتها، بحسب مواقعنا من الإعراب. فالمسؤول الرسمي لا يريد الإزعاج و”الشوشرة” وورود اسمه في وسائل الإعلام التقليدية ووسائل الاتصال الاجتماعي بوصفه خالق مشكلة، فيقوم بالرضوخ للمطالب حتى وإن كانت غير منطقية، أو مكلفة، أو أنها قد تحرف الخطط عن مسارها، وترهق الموازنات وتشتت الجهود، وتعيد التخطيط مراراً على هذا الأساس. والنائب البرلماني، وشقيقه النائب البلدي الذي يريد أن يحبّر كتيّبه في نهاية الفصل التشريعي، ويحشوه بـ “الإنجازات”، يضغطان بمطالب الناخبين، بل ويتنافسان في الكثير من الأحيان على تقديم الخدمات البلدية، ناهيك عن الواسطات التي يمارسونها تحت اسم “خدمة أهالي المنطقة”، وهم من يجب أن يحارب الواسطة، ولكنهما يعلمان أن سلوك الطريق القويم في العمل النيابي أو البلدي هو الحبل الذي يلتف حول مستقبلهما السياسي، إذ ان السؤال الشعبي المتردد قبيل كل انتخابات: ماذا فعلتم لأهالي المنطقة؟!.
وفي قبالة كل هذا، صار لا يهم المواطن – بشكل عام – ما الذي يمكن أن يخسره في المستقبل إن حصل اليوم على بضع مكاسب هزيلة من وراء الضغط، لأن ليست هناك خطط استراتيجية واضحة المعالم، صارمة التنفيذ، تكفل حصول الجميع على حقوق متساوية، وتضحيات تقدم من الجميع من أجل الجميع لأن الجميع سينال ما يناله الجميع فيتنازل الجميع للجميع لصالح الجميع، وبالتالي، يتولد شعور لدى المرء أنه هو الوحيد الذي سيطأ هذه الأرض ولن تأتي بعده أجيال لها الحق في التمتع بما تمتع به الأسبقون، فيتم إنهاك هذه الموارد القليلة في وقت أقصر من نظر الذين أفسدهم دلال مقارنة بالدول الشاسعة ذات الكثافة السكانية التي لا تقارن بالبحرين، والدخول الريعية العالية، ومحاولة العيش مثلهم.