في السنوات القليلة التي خلت، كان الظن يذهب إلى أن التطور الفكري والتراكم المعرفي قد يجعل البشرية، أينما كانت، تستفيد من المعطيات الجديدة، ومن أن الكثير من الأساليب التي تتخذ في معالجة القضايا والأزمات لم تعد تنطلي على أحد لأن الناس باتوا يرون بأعينهم – وبفضل التواصل الإعلامي غير المحدود والذي لا يمكن تقنينه - ما الذي أدت إليه المعالجات الخاطئة والرعناء والفجة، من مصائب وكوارث كان يمكن التقليل منها في وقت مبكر، كما الأمراض التي تستشري وكان يمكن الحد منها لو تم الالتفات إليها، والتعامل معها باكراً، ولكن الكبر والخيلاء والجبن معاً، عوامل تقود إلى نهايات بالغة الصعوبة والتعقيد، وباهظة الثمن.
واحدة من هذه الطرق المتهالكة، ولكنها – ويا للعجب والأسف – فعّالة وقوية وتستمر لفترة من الزمن، هي: الإدارة بالأزمات. فلما كان العلم الإداري والسياسي والاقتصادي والإعلامي وغيرها من العلوم غالباً ما تضع ضوابطها الخاصة لإدارة الأزمات، وكيفية التعامل معها والإمساك بلجامها بقوة وحنكة وإصرار حتى يمكن أن تقاد إلى الطريق الصحيحة؛ فإن البعض يراكم المشاكل والأزمات، ويتقلب من رمضاء أزمة إلى نار أخرى بصنع يديه.
إن هذا التعامل يبدأ من أصغر مفردة في المجتمع، وهي الفرد، وانتهاء إلى الحكام، مروراً بالحكومات والأحزاب والمؤسسات والشركات وجميع التشكيلات التي يعوزها النضج، ولا تتحلى ببعد النظر، ولا بالبصيرة الثاقبة، ولا الشجاعة. وإذا كان صنع الأزمة في أحد وجوهه يدل على المكر والدهاء، إذ يقوم أحد ما/ جهة ما بصنع أزمة وترويجها واستغلالها من أجل الوصول إلى غايات محددة، وفوائد يتم جنيها من خلال إرباك الضحية وتشكيل ضغط عليها، فإن إدارة الأزمة بالأزمة هو الأسلوب المتبع في أكثر الدول العربية وبشكل ربما لا تخلو منه أيٌّ من طبقات الهرم الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي للدولة.
فإذا ما حدثت أزمة ما في أي من القطاعات في دولة عربية ما، وما أكثرها من أزمات، فإن هذا يوقف المسؤول أمام مفترق طرق: إما أن يسرع لحل الأزمة بحسن إدارتها، وتشكيل فرق الأزمة، ووضع الخطط الآنية والمتوسطة والطويلة الأمد حتى تتم معالجة الأزمة بعد زوالها، والتأكد من عدم عودتها مجدداً وذلك بالمتابعة للحلول، والمرونة الكافية للتكيف مع المعطيات التي تستجد بين الفينة والأخرى، وتكوين فريق للتعاطي مع الأزمة، وحسن اختيار قائد هذا الفريق بحسب مواصفات محددة، ورسم السيناريوهات الخاصة باتجاهات الأزمة، والاستعداد لمواجهة كافة أشكال هذه السيناريوهات، وأسوأ الاحتمالات قبل أفضلها وأقلها صعوبة.
ولأن هذا النوع من التعامل مع الأزمات يحتاج إلى صبر ومقدرة على التحليل واستخدام قدرات عليا من العقل لمعرفة ما الذي يمكن أن يسفر عنه كل توجه جديد في الأزمة، فإن الكثير من الجهات (أفراداً ومؤسسات) يفضلون الاتجاه والآخر في التعامل مع ما يطرأ، وهو معالجة الأزمة بالأزمة، ولا يفل الأزمات إلا الأزمات، وداوها بالتي كانت هي الداء، وذلك أن يقوم الفرد/ المؤسسة، وفي الوقت الذي يشتد فيه أوار الأزمات، وتتصاعد أعمدة الدخان منها، بصنع أو اصطناع أزمة أخرى جديدة في اتجاه آخر ومخالف عن الأزمة الأولى، فينصرف إليها الناس، وحتى يخفف صاحب المصلحة من الضغط الشعبي والرسمي عنه، يقوم باصطناع أزمة ثالثة، فينسى الناس الأولى تماماً، ويترددون في الثانية ويقبلون على الثالثة، وهكذا تمتد السلاسل طويلة ولا منتهية في علاج المشاكل، وهكذا يستفيق الجميع ليجدوا أن ما عاشوه بالأمس، هو نفسه ما يخوضون فيه اليوم، وهو أيضاً نفسه ما سيورثونه لأبنائهم في الغد، حلقة مصمتة تتسع بالأزمات الجديدة التي تجعل الأفراد والمؤسسات والحكومات في شغل شاغل عن الالتفات إلى الغد، وخدر يُعجز هذه السلطات عن التوقف للحظة للتفكير فيما هي فيه، والوصول إلى قرار بالانتفاضة الإيجابية التي تطرد المؤزمين من نطاقها، وتحاصرهم.
إن مسألة اصطناع الأزمات، وعلى قدر ما هي مكشوفة وواضحة للعيان، فإن سوقها لا تزال رائجة، والمشترين من الناس والمؤسسات والأحزاب والحكومات متوافرون، يتدفقون على دكاكين الأزمة، يسارعون في لبس أزيائها، والانتماء سريعاً إليها، بعضهم تقوده الغفلة، وبعضهم لا يود أن يفوته شيء، بعضهم يحلم بغنائم من هذه الفوضى، ثم يعودون هم أنفسهم إلى التزيي بأزياء الأزمات التالية، من دون أن يندى لهم جبين، ولا تجد في وجناتهم حمرة الخجل من تنقلهم من أزمة إلى أخرى، هذا غير تصدر المواقف.
أما البائعون، فهم أنفسهم، أناس ومؤسسات وأحزاب وحكومات، من الذين يتخذون من إدارة الأزمات بالأزمات سُلماً لكي يحققوا مكاسب كثيرة، ليس أقلها كسب المزيد من الوقت، وتمديد استفادتهم من وجودهم في حيّز السلطة والتأثير، وهذا أمل كثيرين من ذوي الطموح، حتى وإن كان طموحاً معوجّاً، ولكن مع عدم وجود من يسأل عن هذا الأمر، وفي ظل غياب المساءلة الحقيقية، ومع بعض المعطيات الاجتماعية، سوف لن يجد المؤزمون غضاضة من الصعود مرات ومرات إلى منصة المسرح السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الإداري، والاندماج مجدداً مع اللاعبين، وأخذ دور جديد/ قديم من صنع أزمة مجدداً!.
إن الإدارة بالأزمات، كما أسلفنا، تكتيك قديم، ولكنه فعال، كما الجراثيم التي تطور قدراتها على مقاومة الأدوية، يقوم المؤزّمون بتطوير قدرتهم على الصمود، لذا ينبغي على المجتمع – إن أراد منهم خلاصاً - إما علاجهم ليعاد إدماجهم في على أسس جديدة؛ وإما الحجر عليهم لأنهم خطرون على المجتمع وأهله، وانهم بعض من أسباب العثرات والتخلف الذي نواجهه جميعاً، وانهم سدٌّ أمام التطلع إلى الغد يجب أن يزال، وقيدٌ يمنع السعي إليه ولابد أن يُكسر.