عندما أنهى دراسته العليا، وعاد إلى بلاده متأبطاً رسالة الدكتوراه في أحد المجالات التي لم يكن قد وصل فيها قبل أحدٌ من مواطنيه إلى هذه الدرجة العلمية المتقدمة؛ غلّف رسالته بالجوخ الأحمر، وحفر عليها اسم الرسالة ومؤلفها بالخط الذهبي الفخيم، وأخذها إلى وزيره ليهديها إياه. الوزير الذي رأى هذا الباحث الجديد المتقد حماسة، والمملوء تطلعاً، المتحفز على خط انطلاقة السباق الطويل ليصبّ عصارة ما تعلمه في أوعية الناس، قد أعطى درساً بليغاً لهذا الشاب في التعامل مع الواقع، فقال له بلهجة متعالية مشحونة بالسخرية “الله يبراك.. مسوي روحك آينشتاين”!. ومع أنه ليست هناك أية علاقة بين تخصص الباحث ونظرية آينشتاين إلا الجهل المطبق للوزير، غير أن كلمات كهذه كانت كافية لترسل أبلغ الرسائل وأقصرها وأكثرها قدرة على ذبح المتسابق قبل أن ينطلق السباق، وكفيلة لأن يتهاوى هذا المتحمّس من “فوق هام السحب” إلى الثرى، بل إلى صخور مدببة مسننة، ويستدير خارجاً من مكتب الوزير محنيّ الكتفين، مدلّياً رسالته العلمية بإهمال بين إبهامه وسبابته بعد أن دخل وهو ممسك بها بقوة بكل أصابع كفّه. أكثر من عشرين عاماً مرت على هذه الحادثة، والباحث قد شقّ طريقه بالشكل الذي يريده، وحقق لنفسه ما أراد، أو جزءاً مما أراد، ولكن هذه الحادثة ليست هي الوحيدة، ولن تكون إلا قدّاحة لعشرات القصص المشابهة التي يتناولها ويتناقلها الكثير من الناس ممن حملوا مشاريع مهمة وأفكاراً نيّرة وخططاً عالية الدقة والتكامل، ولكنها إما أن تصطدم بالسخرية، أو بالإهمال، أو تتعرض للسرقة من المسؤول المباشر ليقدّمها بعد أن يضع اسمه عليها إلى المسؤول الأكبر منه، الذي ربما يسرقها بدوره، أو يجد لنفسه مكاناً ليقدّم الفكرة إلى المسؤول الأعلى منه من أجل الوجاهة، أو أن تتم “مرمرة” صاحب الفكرة حتى يكفر بها، ويرميها في سلة المهملات متمتماً بعبارات السخط والتبرّم لأنه لم يكن ضمن صفوف الاعتياديين من البشر الذين يسوقون أرتال السيارات في الشوارع يومياً، ويؤدّون الأعمال الاعتيادية نفسها، بشكل متكرر يومياً، ويقضون سحابة يومهم في العمل يتحدثون عن مباريات الأمس في الدوري الإنجليزي أو الإسباني، وينقسمون على أنفسهم، ويتطاير رذاذ لعابهم في نقد تمريرة، أو احتساب الحكم ضربة جزاء، ويتوسطون نهارهم بوجبات الإفطار التي لا تنتهي، ويستأذنون لأداء واجب العزاء، أو اللحاق بتصفيات الموسم نهاراً قبل أن تنفد البضائع الجيدة عصراً، ويطيلون أداء صلاة الظهر أضعاف ما يفعلونه في الإجازات الأسبوعية، وينظرون إلى ساعاتهم بتأفف لتنقضي الدقائق الفاصلة بينهم وبين “الحرّية”، وتراهم في سباق إلى سياراتهم في آخر الدوام... فمادام الإبداع والأفكار لا تلقى ترحيباً، ولا محلّ لها من التقدير، أو تنسب إلى غير صاحب الفكرة، بل ربما تنقلب وبالاً على صاحبها، فلم العناء؟!. واستطراداً، فإننا – وللأسف الشديد، ومن دون المبالغة في جرّ السكاكين على أجسادنا، أو جلد ذواتنا – نتصاغر أمام كل ما هو “غير” غير مؤمنين بأننا بشر كما هم، وأن بمقدور الناس أن يأتوا بما أتى به غيرهم، بل ويزيدوا عليه، ويطوّروه، وكأن من هم من جلدتنا ليسوا جديرين إلا بأن يكونوا درجات دنيا متأخرة من البشر غير أولئك الذين درجوا على إلقاء الفتات علينا من الأعلى، والذين نستجلبهم بأعلى الرواتب والمميزات، ليقولوا لنا ما يمكن لنا ولجيراننا أن يقولوه تطوعاً ربما، أو بمكافئات أقل.
فكثيراً ما سمعنا كلاماً يوجَّه لنا ولزملائنا الصحافيين من قبل أناس في مناصب شتى، في القطاعين العام والخاص، ككلام المسؤول الذي تقدّم، كأن يقال للواحد منا “أتظن نفسك في الفايننشال تايمز؟!”، حسناً، أعطني فرصة، أعطني معلومة، تجاوب معي في مقابلة جادة وعميقة، لا تزوّر الحقائق، لعل صحيفتي تقترب إلى حدّ ما من الفايننشال تايمز، أو الغارديان، أو واشنطن بوست. هل تحترم تلك الصحف؟ هل تطيق صبراً على صحيفتي إن انتقدتك كما تنتقد تلك الصحف كبار المسؤولين في القطاعين وتعرّيهم، وتظهر مخالفاتهم، وتسوق الأدلة على فسادهم، أو على الأقل، تكشف عن تناقضات تصريحاتهم، وتراجعاتهم عن الوعود التي قطعوها في مرحلة ما ونكصوا عنها تالياً؟ لماذا إذا، تلك الصحف مقدّرة وصحف الدار محقرة في نظرك؟. ألا ينطبق ما تقدم على نظراتنا للمبدعين، المخترعين، الفنانين، الرياضيين، الكتاب، المتحدثين، السياسيين، وجملة تطول من ذوي المبادرات وأصحاب المواهب، والمتطلعين لمصير أفضل لأنفسهم ولمن حولهم؟ فلقد درجت دولنا على إرسال البعثات الواحدة تلو الأخرى لتنهل من علوم الدول المتقدمة، وهي تعلم أن الأمر لن يقتصر على جلب الشهادة والعلم وحسب، ولكنه يتعدى إلى التشبه بها اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وتنظيمياً وعلمياً ومعرفياً، ولكننا أبداً لا نستطيع استيعاب واحتضان من يأتي بالأفكار الجديدة، ولا نرحّب غالباً بالمبادرات، ونشكّ بأي حراك للتقدم، ونقاوم الخطوات المتقدمة مقاومة تتجاوز الحدّ الطبيعي الاعتيادي، حتى يردد بعضنا ما كتبه جبران خليل جبران “وجديد القلب أنّى يأتلف... مع قلوب كل ما فيها عتيق”، ولا يكون أمام المبدع والمبادر والمتطلع والموهوب إلا طريقين: إما المكوث هنا حباً في وطنه وأهله، أو قلة حيلة وتردد للخروج إلى حيث تتنفس أفكاره، وبالتالي يُدفن وقد جُرش قلبه بالحسرات، أو سلوك الطريق الآخر، وهو التحليق بعيداً لتعترف به دول أخرى ومن بعدها يعود ثانية معززاً مكرماً مهاب الجانب، يُفاخر به لأنه نال “ختم” تلك الدول. نعود لنكرر مقولة لا نملك إزاءها إلا تصديقها، والتحسّر عليها في آن معاً، وهي ما قاله العالم المصري الأميركي أحمد زويل “في الغرب يساعدون الفاشل حتى ينجح.. وفي دولنا يحاربون الناجح حتى يفشل”... لله درّك.