حريّ بالتقرير السياسي لجمعية تجمع الوحدة الوطنية، الذي صدر غداة الانتخابات الأخيرة، أن يحظى بالقراءات المعمّقة البعيدة عن الخفة والتصيّد، وذلك لعدد من الأسباب التي من أهمها:
1- تجمّع الفاتح، الذي تحول إلى تجمّع الوحدة الوطنية، الذي استحال في فترة لاحقة إلى جمعية سياسية، يعدّ الأحدث بين الجمعيات السياسية الفاعلة على الساحة المحلية، ومن المهم تتبع ما يصدر عنها من تقارير وأدبيّات لكي تجري دراستها ضمن السياق العام للحراك السياسي البحريني.
2- الظرف السياسي الذي تكونت فيه الجمعية، وإرهاصاتها الأولية، لم يكن بالظرف الطبيعي المعتاد لتأسس الجمعيات السياسية الأخرى، فلقد جاء هذا التأسيس نتيجة لما حدث اعتباراً من الرابع عشر من فبراير 2011، ولولا هذا الظرف لم يكن للجمهور المكوّن لنواة هذه الجمعية أن يسعى لتأسيسها.
3- لم يُعرف للسنة في البحرين أي كيان جامع لهم طوال تاريخهم السياسي المعاصر، إذ كانوا متجزّئين في الحركات الفكرية والسياسية والدينية، فأتى الظرف، بكل تجلياته وما أحدثه على المستوى الحقيقي أو الخيالي، ليجمعهم على صعيد واحد.
4- المحرّك والدافع لذاك التجمع الذي بدأ في 21 فبراير 2011، وما تلاه، يعدّ من العلامات الفارقة التي جبّت ما قبلها من مجاملات سياسية واجتماعية بين المكونين الأساسيين في المجتمع، وتكرار العبارات الشكلية و”الماكياجية” التي كانت تخفي قبحاً مقمياً في علاقات افتقدت المشروع الوطني الجامع، والقادر على تحويل الناس إلى مواطنين حقيقيين، فانفرزت المواقف بشكل فاحش الوضوح، وليس هذا بسبب تجمع الفاتح وحده، ولكن لعدم حنكة وفاعلية القيادات الفكرية والسياسية والدينية والاجتماعية هنا، وربما لاستفادتها وتغذية زعاماتها عن طريق الأسافين المضروبة بين مكونيّ الشعب.
فلربما كانت هذه بعض الأسباب التي من الحري أن تجري قراءة التقرير السياسي ذي الصفحات الأربعة عشر، وتأمل الكثير مما جاء فيه، سواء في تعريفه للأزمة التي مرت بها البحرين، أو علاقة التجمع بالسلطة، وهو مربط أفراس الكثير ممن تناولوا التقرير، وكذلك رؤية التجمع للقضايا المحلية والإقليمية والدولية من منظوره الخاص.
بصرف النظر عن المواقف الشخصية من فكرة التجمع وحيثيات قيامه، فإنه اليوم واحد من المكونات السياسية الأساسية على الساحة البحرينية، وسواء كان قد أتى نتيجة لـ “فزعة”، أجارنا الله من يوم الفزع الأكبر، أم أنه كان جسماً يتململ لم يجر الانتباه له ووجد فرصته للنهوض في غمرة الأحداث، فإنه عرف اليوم ما كنا “نتوسّل” لوجوهه ألا ينزلقوا إليه، ولا يذهبوا في مساقاته، ونشير تلميحاً وتصريحاً، أسررنا لهم إسراراً، وبحنا بما نراه جهاراً، ولكن كانت الموجات أعلى من أن يصمد البعض أمامها، وطنين عالٍ كان يصمّ الآذان، ويغبشّ الرؤية أمام الكثير من الناس، حتى جرى ما جرى.
فلقد كان العجب أن ينساق أناسٌ نرى فيهم الخير الكثير، والحكمة الراسخة، والحنكة السياسية، وعمق التجربة ليكونوا جزءاً مما استغربوا منه في التقرير، وأن يصبحوا “أداة” كما قال، وأن “يستخدموا” كما تم تحبيره في هذا التقرير السياسي البالغ الأهمية، وأن يكونوا فزّاعة تُنصب متى أريد نصبها، وتركن في المخازن متى ما “زال الخطر” وانتهى الغرض منها. عجباً كيف لم يكونوا ليروا إلى أبعد من خطواتهم، وإلى الفخاخ السياسية المنصوبة، والتاريخ العامر بأشباه ما حصل على مستوى البشرية وليس على مستوى صغير ضيّق، وكيف لم يعوا كل هذه التشظيات التي توالت في جسمهم الأكبر، والتغذيات التي كانت (بحسب التقرير نفسه) تلعب على التناقضات، والتأليب بين مكونات المجتمع في الوقت الذي تجري فيه محاولات سراً وعلانية لعقد صفقات أو تليين مواقف، أو التوصل إلى اتفاقات بعيداً عن التجمّع الذي بدت نبرته في التقرير بأنه تم “استخدامه” أو “خُدع” أو “خُذل” بشكل أو بآخر، ولا يراد له أكثر مما فعله في الوقت العصيب، فـ”جزاكم الله خيراً” لقد قمتم باللازم. فليس لعمّال البناء أن يقفوا ينتظرون أن يدخلوا البيت مع الساكنين، فمهمتهم تنتهي عند تسليم المفتاح، أما خلافات “الملّاك” حول ترتيب البيت وأخذ الغرف الأنسب والمواقع الأفضل، فهذا ليس من شأن العمال المنفذين. بل ربما يلتفت إليهم المختلفون فجأة ويتفقون على إخلاء الساحة منهم أولاً قبل أن يستأنفوا ما هم فيه مختلفون.
إذا ما ترفّعنا عن الانتقائية في اقتناص ما يناسب المواقف السياسية، والفرحة الصبيانية بالوقوع على ما يثبت وجهات نظر طرف على طرف؛ نعود إلى القول بأن تجمّعاً سنّياً (وإن زعم أنه غير ذلك) يغلب عليه الطابع المتدين، من الجيد أن يصدر عنه علناً هذا التقرير الذي فيه مسافة جيدة من السلطة، حتى لا يبقى القول بأن هذا التيار مرتهن بالسلطة إلى قيام الساعة فهذا من مصلحته ومصلحة العملية السياسية في البلاد ككل. ليس المطلوب منه أن يكون معارضاً للسلطة بما تعنيه المعارضة في الوطن العربي القائمة على “إما أنا وإما أنت”، أي بتقويضها، بقدر ما يكون ناقداً بالشكل المعين على الإصلاح وعزل المفسدين من دون حماية أو غطاء، ولو بدافع التناكف الطائفي كما حصل في المجلس السابق، وبشكل مثير للغثيان بين الفصيلين اللذين يمثلان الشعب.
وتبقى إيجابية في تقرير “التجمّع”. فإن كانت تفسيراته لما حدث يمكن مراجعتها والاختلاف عليها، وأن بعض الألفاظ الواردة لا تليق بتقرير سياسي أن يتضمنها؛ إلا أنه وهو اعترافه بما ألمّ به وما وقع فيه من أخطاء ورؤيته الذاتية لحركته طوال هذه الفترة في ما يسمى بالنقد الذاتي. وبقي على القوى الأخرى، وخصوصاً المعارضة أن تتواضع قليلاً وتسرد عدداً من الأخطاء التي ارتكبتها في حراكها السياسي الأخير، حتى ينزل الجميع عند مستوى البشر.