يمثل الحراك الثقافي لأي مجتمع جانب النضج الذي يعكس مدى اهتمام مختلف شرائحه على مستوى المؤسسات وعلى مستوى الأفراد بتنمية العقل والفكر، ومن أجل ذلك تجد المجتمعات المتقدمة تُعنى بشكل كبير وبارز بتطوير مختلف المعطيات المرتبطة بالعديد من جوانب النضج في المجتمع؛ وذلك استثماراً لجوانب التوعية المتراكمة نتيجة هذا الاهتمام.
إلا أنه يبدو أن الأمر مختلف في مملكة البحرين مثلها في ذلك مثل العديد من المجتمعات النامية التي لا تهتم بالكتاب ولا القراءة وتنمية الفكر والثقافة إلا من خلال معارض الكتاب التي تقام سنوياً، حيث تظل هذه المبادرة منفردة ووحيدة في دعم الحراك الثقافي في المجتمع، وذلك في ظل إقامة فعالية معرض الكتاب دون قرنه ببرنامج متكامل لدعم الحراك الثقافي والفكري في المجتمع استثماراً لهذه المناسبة، هذا فضلاً عن كون هذا المعرض يعد من المعارض المتواضعة مقارنة بالمعارض التي تقام في بعض الدول المجاورة.
لا أحد يختلف على أن مستوى التعليم وتعدد جوانب الوعي الثقافي تمثل جوانب يمتاز بها المجتمع البحريني عن مختلف دول المنطقة، إلا أن مما يلاحظ ضمن هذا النطاق بسبب ضعف برامج الدعم للحراك الثقافي في المملكة في ظل الواقع المعاصر مقارنة بما يجري من اهتمام في الدول المجاورة أن التراكمية المطلوبة لتحقيق الوعي المنشود في ظل تسارع وتيرة التلاقح الثقافي سمة للقطاع المؤسسي المعني بذلك في المملكة سواء على المستوى الرسمي أو على المستوى الأهلي، ولعل اضمحلال الدعم الرسمي للحراك الثقافي في المجتمع البحريني يمثل الجانب الأكثر تأثيراً في ذلك، فقد مثل هذا الاضمحلال ضعفاً كبيراً لدى مختلف الأجهزة المعنية بدعم البحث العلمي ونشر الكتب المتخصصة بعد تحكيمها في مختلف التخصصات، كما أنه لا توجد جهة تتبنى طباعة الكتب للمبدعين والمتخصصين بخلاف جهات لا تتجاوز أصابع اليد تذيق المؤلف ويلات من البيروقراطية لتطبع له كتاباً بإخراج رديء وتقوم بمنحه نسخاً منها، وفي ذات الوقت تطرح النسخ الموجودة لديها للبيع في السوق، ولا أعرف - حسب علمي – أية جهة أخرى تقوم بدعم الباحثين خلاف هذه الجهة، وذلك في ظل وجود الكثير من الجهات لدى الدول المجاورة تقوم بطباعة دراسة المؤلَّف وتمنحه عدداً من النسخ، بالإضافة إلى منحه مكافأة مالية مجزية تشجيعاً له وتحفيزاً.
ولا تقتصر برامج الدعم الثقافي على تعدد الجهات التي تتبنى طباعة الكتب وإخراجها بصورة جيدة وتنافسية، بل هناك كثير من الجوانب التي لا تنتشر في مجتمعنا لدعم هذه البرامج لتعزيز الحراك الثقافي، ومن ذلك إقامة الجوائز في مختلف حقول المعرفة لتعزيز التنافسية في إنجاز مختلف الأعمال الفكرية؛ وذلك لما تحققه من تنافسية ثقافية كبيرة في المجتمع، إلى جانب اعتماد استراتيجيات بعيدة المدى من خلال تبني برامج تثقيفية متنوعة لإقامة المحاضرات والندوات والمؤتمرات المتخصصة والمتنوعة، هذا بالإضافة إلى دعم المراكز والمنابر الثقافية - مادياً ومعنوياً - من خلال مساندتها في وضع برامج فعالياتها وتدشين سلسلة محاضراتها وفق بعد استراتيجي مدروس.
وعليه، مما يؤسف له ضمن هذا النطاق أن برامج الدعم للحراك الثقافي في المجتمع البحريني تعتبر برامج ضعيفة وعاجزة عن تلبية الحاجة إلى بناء المنظومة الفكرية المتماسكة في المجتمع، التي يمكن من خلالها ترشيد الحراك الثقافي والفكري بصورة يمكن أن تؤسس لبناء أجندة عمل جادة لتطوير الحراك الثقافي في المجتمع البحريني، مع الاستئناس في ذلك بالتجارب العالمية الرائدة من خلال تعزيز التعاون المشترك في هذا المضمار، وذلك من خلال إقامة الفعاليات المشتركة التي يتحقق من خلالها تلاقح الخبرات وتنسيق الجهود المشتركة، بما من شأنه تحقيق إسهام أكبر في بناء منظومة الثقافة البحرينية المتماسكة لدعم تكوين المشترك الثقافي الإنساني – إقليمياً وعالمياً -، وذلك من دون شك لا يمكن أن يتم إلا عند تحقق الجمع بين الجودة والتنوع في الأدوات والوسائل الكفيلة بإنجاح برامج الدعم للحراك الثقافي في البحرين.
زبدة القول
لا يمكن بأي حال من الأحوال في خضم السائد في المجتمع على المستوى الرسمي والأهلي تحقيق الهدف المنشود ضمن نطاق الحراك الثقافي في المجتمع من خلال بناء منظومة متماسكة ومتجانسة، الأمر الذي يستلزم تراكم جهود وخبرات الكفاءات المثقفة في المجتمع من خلال الدعم الرسمي والأهلي لها وفق بعد استراتيجي مدروس ومتناغم وبعيد المدى.