تمثل العدالة الاجتماعية جانباً مهماً في حياة المجتمعات المتمدنة التي تقيم أركانها على التماسك المجتمعي وبناء منظومة متكاملة تنطلق في فلسفتها بالتأكيد على ضرورة تحقيق العدالة المنشودة التي لا يمكن أن تتحقق في ظل نظام يزيد فيه الأغنياء غنى والفقراء فقراً، وذلك بعيداً عن أي نطاق لبناء المسؤولية الاجتماعية التي يمكن من خلالها تحقيق العديد من المعطيات في سبيل تحقيق التكافل الاجتماعي المنشود.
وإذا كانت العدالة الاجتماعية ترتبط بتلكم المقدمات، فإن ربطها بالإصلاح السياسي على الإطلاق يعتبر أمراً غير مقبول منطقياً من العديد من الجوانب؛ ذلك أن هناك كثيرا من المجتمعات تنطلق في مطالباتها بالإصلاح السياسي لتحقيق العدالة الاجتماعية، في حين ان تحقيق العدالة الاجتماعية مسألة جوهرية لا ترتبط بصورة متأصلة بالإصلاح السياسي وحسب، وربطها بالإصلاح السياسي وحده كفيل بإحداث خلخلة في الأوضاع الاجتماعية السائدة في المجتمع. كثيرة تلك المعطيات التي يتخبط بها أصحابها من خلال انطلاقهم في المطالبة بالإصلاح السياسي تحقيقاً للعدالة الاجتماعية، وفي رأيي فإن هذه المعطيات لا يمكن أن ترتكز على أرضية صلبة ما لم تفك الارتباط التام بين تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال ربطها بالإصلاح السياسي، وما ينبغي في هذا المقام يتمثل بضرورة إرساء أرضية صلبة للعدالة في المجتمع؛ لتتحقق حمايتها بعد ذلك من خلال مشروع الإصلاح السياسي الذي يتوافق عليه المجتمع. ومن أجل ذلك، فإن ما يعتري حوار التوافق الوطني الجاري على الساحة البحرينية حول ما يرتبط بنطاق الإصلاح السياسي ينبغي ألا نربطه بتحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع، وهي التي تعاني من خلل كبير في اعتماد معاييرها على أرض الواقع، فهناك خلخلة واضحة تعكس تحركات من قبل العديد من مؤسسات الدولة لا تزال عاجزة عن تلبية الحاجات الأساسية للمواطن البحريني وفق ما يرتبط بمقتضيات العصر السائد، فعلى سبيل المثال فإنه في ظل ارتفاع معدلات الغلاء إلى نسب فاحشة، فإن الدعم للمواطن البحريني لا يزال دون المستوى، وفي ظل حصول جانب من المتنفذين في المجتمع على مساحات شاسعة من الأراضي، فإنك تجد المواطن المغلوب على أمره ينتظر سنوات عدة حتى يستقر في بيت متواضع في حجمه وقد أصبح جداً له أحفاد.
ومن خلال ذلك، فما هي العلة من ربط تحقيق العدالة الاجتماعية ببناء منظومة الإصلاح السياسي بعد التوافق عليها؟ وإلى متى ستظل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المواطن البحريني دون حل بحجة ربطها بالمطالبات السياسية؟ والسبب في ذلك يتمثل في المقام الأول بعدم نهوض الدولة من خلال مؤسساتها بدورها المنشود في تعزيز كرامة الإنسان البحريني على أرض الواقع بعيداً عن التصريحات الإعلامية الرنانة، إلى جانب ضعف نطاق المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص التي تندرج ضمن نطاقها فريضة الزكاة غير الملزمة لمن توافرت فيه الشروط الشرعية.
وحقيقة الأمر، إن هناك مطالبات صريحة تدعو إلى ضرورة تصحيح مسار العدالة الاجتماعية في المجتمع على نحو من شأنه أن يكفل تحقيق الاستقرار والرفاه للمجتمع البحريني، وذلك بعيداً عن أي ربط جذري بين تحقيق هذه الأولوية الملحة وقرنها بما يتم تحقيقه من تراكم في الإصلاح السياسي، وهو ما يعني أنه مادام الفرقاء لم يتوافقوا على صيغة معينة لتحقيق الإصلاح السياسي، فإن المواطن المغلوب على أمره سيظل على حاله المنكوس الذي لا يمكن القبول به في ظل الغلاء الفاحش ضمن مختلف النطاقات الإسكانية والمعيشية. وعليه، ينبغي أن ينظر بعين الرحمة إلى المواطن البحريني ليشعر على أقل تقدير أنه لا يختلف في وضعه كثيراً عن المواطن الخليجي، والمسؤولية في ذلك مقررة على مختلف مؤسسات الدولة لإحداث تغيير جذري يستهدف إعادة صياغة منظومة العدالة الاجتماعية المنشودة في المجتمع.
زبدة القول
يستلزم تحقيق العدالة الاجتماعية تدخلاً عاجلاً وفورياً من القيادة الرشيدة التي يحدونا أمل كبير في استشعارها لهموم المواطن ومعاناته في ظل الغلاء الفاحش الذي أصاب معيشة الكثير من الطبقات البحرينية في مقتل، الأمر الذي يستلزم الكف عن سياسة الترقيع والتركيز على البعد الاستراتيجي في تحقيق العدالة المنشودة للمواطن البحريني بعيداً عن المهاترات والحسابات الشخصية.