لو كان يا ترى للعدالة في عالمنا موضع أكانت ترضى بما تقوم به إسرائيل من جرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين داخل وخارج حدودها التي لم يقرها المجتمع الدولي حتى الآن لتبقى قابلة للتوسع؟ جرائم إسرائيل تفوق ما فعله هتلر ونيرون وموسليني وأمثالهم من جبابرة التاريخ المنبوذين، فهل ترضى العدالة بما عليه حال الفلسطينيين من القتل والعدوان وتدمير المساكن وتجريف الأرض وتهجير البشر وتشريد الأسر ومعاناة البؤس والفقر والحرمان منذ 60 عاما؟ كم مرة استخدمت أميركا العظمى حق الفيتو التعسفي في مجلس الأمن لتمنع قرارات أراد العالم أن ينصف بها الفلسطينيين ولو بالكلام، ويرفع عن نفسه الحرج، لكن تعصب أميركا لإسرائيل ودعمها أعاق تحقيق الحد الأدنى من العدالة، وكم عدد القرارات التي صدرت من مجلس الأمن أو الهيئة العامة للأمم المتحدة ورفستهم إسرائيل ولم تلتزم بتنفيذهم وسكت العالم كما لو كان شيطانا أخرس؟
هل أنصفت العدالة ضحايا الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا؟ وضحايا القصف الإسرائيلي المتكرر على غزة؟ ولو كانت للإنسان حقوق وكانت هناك عدالة لما صبر العالم على حصار غزة كل هذه السنين العجاف؟ تجوع الملايين بحصار ظالم تفرضه دويلة إسرائيل “عصابة الجستابو”، وهل معاناة الفلسطينيين اليوم تخفى على أحد؟ من فتح فاه ليفضح سياسة التمييز العنصري الصهيونية؟ يمنع عنه الغذاء والدواء والحاجات الضرورية الأساسية من المأكل والمشرب والسكن والملبس والعلاج والعمل، ووقود مولدات الكهرباء ومضخات المياه والصرف الصحي، وهل القيود القاسية التي تفرض على دخول وخروج الفلسطينيين المسافرين كالمرضى والطلبة والعاملين المجازين وزوار بيت الله الحرام وحجاجه على المعابر تتفق مع حقوق الإنسان في العرف الدولي والإنساني والديني والقومي، وهل يحتاج رفع الظلم المجحف الذي يتلقاه الفلسطينيون طيلة ما يزيد على قرن إلى مزيد من التشخيص والتمحيص والأدلة المادية والمعنوية لتحقيق الحد الأدنى من الحقوق والعدالة في المحاكم الدولية؟ وهل للعدالة والحقوق نصيب في عالمنا المعاصر عالم القرن الحادي والعشرين؟
وهذه معاناة سوريا الذبيحة من الوريد إلى الوريد، المهاجر من أهلها والصابر المرابط، هل مر على شعب في العالم ما مر على شعبها من الذل والمهانة والتصفيات الجسدية على مدار الساعات؟ وهل تركت وسائل الإعلام الإقليمية والعالمية، وإحصاءات المنظمات العالمية ذلك بلا إثبات أم وثقته بالشواهد والأسماء، نحو ربع مليون شهيد وربما أكثر، وثلاثة ملايين مهجر في الخارج، وستة ملايين في الداخل، ومئات الآلاف من الجرحى والمعاقين والمعتقلين، ما الذي يطلبه العالم أكثر من هذه الإبادة الجماعية ليوافق مبدئيا على عرض المأساة إلى محاكم العدل الدولية، وهل مجرد إحالة القضايا على المحاكم للتحقيق فيها يحتاج إلى إجماع دولي لو كان للعدالة في دنيانا نصيب؟
وهل المجتمع الدولي الذي أجبر الأسد على التخلي عن أغلى وأخطر سلاح لديه من الذخيرة الكيماوية عاجز عن منع قصفه للمدنيين بالطائرات وصواريخ الجو وقذائف البراميل المتفجرة، أم أن هذا القصف مباح دوليا؟ وإذا كانت إبادة المدنيين المسالمين والنساء والأطفال محرمة، لماذا لا يوقف هذا القصف؟ هل ممانعة روسيا لمجرد كونها قوة نووية وعضوا بمجلس الأمن يجيز توقيف سريان القانون ويعطل عمل المحاكم الدولية؟ وهل تجيز العدالة أن يحظى نظام الأسد بحماية ودعم روسيا الدولة العظمى مع علمها بجرائمه البشعة؟
قد لا نؤيد روسيا بضم القرم إليها، ولكنها استفتتها بتقرير المصير، ولم تقتل كما قتل الأسد، لماذا انتفضت الدول الثماني لمعاقبة روسيا بهذه السرعة وتركت الأسد يرتكب جرائمه ضد الإنسانية ثلاث سنوات؟ أليس لأن تلك أوروبية مسيحية وهذه عربية مسلمة؟ وماذا يعني وقوف أميركا إلى جانب المعارضة السورية إعلاميا ووعودها بمد المقاتلين بالسلاح ثم تتنصل ببساطة عبر توريط المعارضة وإطالة امد الحرب لإنهاك سوريا لمصلحة إسرائيل؟ ألا تقوم إيران بدور قذر في الحرب السورية وهذه الدول العظمى تسارع للتفاوض معها، والسبب لأن السلاح النووي يهدد مصالح حليفتهم إسرائيل؟ إنهم كذابون لا حق يردعهم ولا يصدهم عن الجريمة قانون، الأشقاء الثمانية شركاء في نحر المستضعفين، وما أصبحوا أقوياء وأغنياء إلا بعد أن سرقوا ونهبوا أموال الضعفاء وامتصوا دماءهم وتركوهم وقودا للذل والمهانة وفريسة للجهل والفقر والمرض، وللحديث بقية.