“الحكمة يمانية”، ولا أتهيب القول إن قرار لجنة الحوار الوطني في اليمن بإعادة تشكيل الدولة الاتحادية من ستة أقاليم بأغلبية ساحقة كان قرارا جريئا موفقا وحصيفا، وجاء بمثابة لطف إلهي وفق أهل هذا البلد إلى الاهتداء إليه، ولا يبقى إلا أن يحرص اليمنيون على السير في إطاره ليوفروا لبلدهم الأمن والاستقرار بعد أن دب بينهم الشقاق حتى بلغت القلوب الحناجر، هذا القرار لو كتب لليمنيين الالتزام بتنفيذه سيكون بمثابة طوق النجاة للخروج من أزمة تشظ وتناحر استفحلت وطالت أذرعها، لولا حكمة وحنكة وفرت جوا لتضافر جهود المخلصين، ووضعت حدا للتخرصات المريبة وألجمت أعداء اليمن والعرب حجرا.
إن إعادة تشكيل محافظات اليمن التي ربت على العشرين في ستة أقاليم ليست تقسيما كما يشيع المغرضون من انفصاليي الجنوب وحوثيي الشمال ممن ارتضوا الارتباط بمصالح الخارج، إنما ضم عدد من المحافظات المتجاورة المتجانسة جغرافيا واجتماعيا واقتصاديا إلى بعضها ليصبح اليمن أكثر تماسكا واقتصادا في النفقات التي تهدر في الترهل والتشتت الجهوي المناطقي الضيق، ونظرة إلى خريطة اليمن الجديدة كما وردت بالقرار هي: إقليم حضرموت ومركزه المكلا: ويضم محافظات حضرموت والمهرة، وشبوة، وسقطري. وإقليم عدن ومركزه عدن ويضم عدن، وأبين، ولحج، والضالع. أي جمعت محافظات اليمن الجنوبي قبل الوحدة في قسمين “تشكيل أخذ بالظروف التاريخية السائدة ابان الانتداب البريطاني، المحميات الشرقية والمحميات الغربية”، أما أقاليم الشمال الأربعة: فإقليم سبأ ومركزه مأرب، ويضم محافظات مأرب والجوف، والبيضاء. وإقليم الجند ومركزه تعز ويضم: تعز، وإب. وإقليم آزال ومركزه العاصمة صنعاء ويضم محافظات: صنعاء وصعدة، وعمران وذمار. وإقليم تهامة ومركزه الحديدة ويضم محافظات الحديدة، وريمة، والمحويت، وحجة. وهو تشكيل يناظر ما كان سائدا في نهاية الحكم العثماني في حقبته الثانية “نظام الولايات”، وهذا التشكيل تلافى تقسيم اليمن إلى شمال وجنوب وجب مواطن الفتنة والصراع الذي استجد بين اليمنيين على أساس المذهب او الجهة. ولم يعد هناك مجال للقول إن هذه المحافظة لها حظوة على حساب تلك المجاورة لها.
ومن إيجابيات التشكيل الجديد اعتماده على مبادئ التوافق الذي ساد في الحوار وحقق التجانس لضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ولبى احتياجات الشعب وتوخى إتاحة فرص التنافس الإيجابي بين الأقاليم، مع التكامل والترابط الجغرافي. ومراعاة العوامل الاجتماعية والثقافية والتاريخية وضمان توظيف متكافئ لموارد كل إقليم بلا هدر، وتفعيل الشراكة العادلة في الثروة والسلطة والحفاظ على الأمن والسلم الاجتماعيين والتأكيد على وحدة اليمن وأمنه واستقراره، والأخذ بمبدأ التخصص بجمع المتشابهات من الأنشطة الاقتصادية المتماثلة، كما أبقى على العاصمة صنعاء: مدينة اتحادية غير خاضعة لسلطة أي إقليم لضمان حياديتها واعتبرت الحدود الحالية للمحافظات المنضوية في كل إقليم حدودا للإقليم فلم تتم أية محاولة تعديل تسمح بإثارة شبهات تهميش أو إقصاء أو غايات مبيتة.
ولإعطاء المرونة أشار القرار إلى إمكانية مراجعة الحدود بعد دورة انتخابية أو أكثر، وضمن الشراكة الحقيقية في السلطة التشريعية لكل إقليم بمبدأ التدوير في هيئة رئاسة المجلس التشريعي بتمثيل عادل بين الأقاليم في البرلمان الاتحادي بما لا يسمح بسيطرة ولاية بعينها على التشكيل الحكومي. وأوكل توزيع الثروة العادل والعائدات بالتشاور بين الأقاليم والولايات بمعايير الشفافية العادلة لجميع أبناء الشعب مع الحرص على حرية التبادل التجاري والنشاط الاقتصادي بما يعزز التكامل بين الأقاليم، وضمن تيسير حركة المواطنين والبضائع والسلع والأموال والخدمات وعدم فرض حواجز وعوائق وقيود جمركية وضرائب إدارية.
أما ما يدعيه الحوثيون الموالون لإيران من عدم وجود منفذ لهم على البحر كأنهم يخططون بنوايا دولة مستقلة منفصلة عن اليمن بعد أن أصبح الساحل إقليما واحدا، فهم يطالبون بساحل مفتوح يسهل لهم استلام الأسلحة المهربة القادمة من إيران وحزب الله، ولم ينظروا إلى أن التشكيل الجديد أخذ بمبدأ تخصيص أقاليم ساحلية متخصصة في الصيد وإدارة الموانئ مثلما تخصص إقليم آخر باستخراج المنتجات النفطية، وثالث بالطبيعة الجغرافية الزراعية، ولم يترك التشكيل مجالا للتطلعات الانفصالية الرامية إلى تقسيم البلاد شمالا وجنوبا بل أصبح اليمن وحدة متماسكة، وبذلك كسرت أجنحة الانفصاليين إن كانوا جنوبيين أو شماليين، وفوتت عليهم فرص الاستقطاب والتكتل المذهبي أو الجهوي أو القبائلي.