العدد 1948
الخميس 13 فبراير 2014
العيش قبل الجيش والقلم قبل السيف د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الخميس 13 فبراير 2014

تعد الأمم جيوشها لتغزو وتدفع عنها الغزو، وهي الفلسفة الأساسية لمهمات الجيوش المحترفة، وعقيدة بناء الجيوش العسكرية قوميا وعقديا، ويبدو أن الأمر لدينا في العالم الثالث خصوصا البلاد العربية مختلف، فالعرب وجدوا أنفسهم بعد الحرب العالمية الأولى وغياب الدولة العثمانية وتفكك جيشها مستعمرين ومجزئين مقسمين حصصا للدول الغربية العظمى المنتصرة، إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وفق معاهدة سايكس بيكو عام 1916. ولم يكن لديهم جيش نظامي مهني، إنما قبائل تحمي نفسها بنفسها معتمدة على سلاح أفرادها الشخصي، ولعل أول محاولة لإنشاء جيش عربي في سوريا وأدتها فرنسا بمعركة ميسلون 1920م.
ومع احترامنا للجيوش في البلاد العربية لم تنشأ بإرادة قومية، وعلى عقيدة عسكرية سليمة، إنما نشأت في ظل انتداب أجنبي ووصاية غربية، فالقادة ضباط سابقون في الجيش العثماني، وأظهروا تعاونا أو ولاء للجيوش الأوروبية التي أصبح بعض ضباطها يشرفون كأوصياء، هي جيوش وطنية تبنت فلسفة دخيلة أملتها دول الانتداب، فأسهمت في تجزئة الوطن العربي إلى دويلات، وفي فرض إرادة التحكم الأمني بالعنف والاستبداد، أدخلت البلاد بدوامة عدم الاستقرار بتدخل العساكر في السياسة، وإسهامها بانقلابات عسكرية أثارت الخصومات والخلافات وأدت إلى تخلف التحولات المدنية الحضارية في عموم الوطن العربي من أقصاه إلى أدناه، وشاهدنا في ذلك سوريا والعراق ومصر وليبيا والسودان واليمن ودولا أخرى. جيوش آثرت الرؤى السياسية والاكتفاء بالحفاظ على سيادة رقعة محددة على الدفاع عن الوطن بأكمله وتخلت عن تحقيق وحدته.
إن نفقات تسليح الجيوش في الدول العربية تفوق بكثير نفقات نظيراتها من دول العالم وعلى الرغم من أن بعض دولنا لم تحارب فإنها أنفقت ثلث وارداتها من الناتج القومي على التسلح، وتشير الإحصاءات الى أن الدول العربية أنفقت عام 1997 ما يقرب من 375 مليار دولار، لدول الخليج النصيب الأكبر منها، وارتفع الرقم عام 1998 فمصر مثلا تنفق سنويا 3.5 مليارات دولار وتأخذ مساعدات عسكرية أميركية تقدر بـ 1.3 مليار دولار فأين يذهب هذا السلاح مع أن مصر لم تدخل حرباً منذ السبعينيات، وبلغت نفقات 15 دولة عربية منها السعودية ومصر والأردن وسوريا والكويت والإمارات واليمن على السلاح حتى الآن أكثر من 70 بليون دولار وقد يتضاعف المبلغ لو أضفنا العراق وليبيا وبقية الدول، والكثير من هذه الدول تعاني ضعف الاقتصاد وتشكو مظاهر البؤس والفاقة والغرق بالجهل والأمية والمرض.
وتزداد استراتيجية العرب في التسلح بمعدل 5 % سنويا مما يزيد استغلال الدول المنتجة للحكومات العربية، تبيعهم أسلحة مخزنة لديها بقدم ثلاثة أجيال عن جيل التصنيع الجديد، بينما يمنحون إسرائيل الجيل الأول لتبقى متقدمة علينا بما لا يقل عن عشر سنين، وبعد عدة سنوات يأتي رئيس أميركا أو رئيس وزراء بريطانيا ويعقد صفقة أسلحة جديدة بحجة أن الأسلحة أصبحت قديمة، وللعلم يبلغ عدد الجيوش العربية مجتمعة نحو أربعة ملايين ونصف المليون جندي، الغالبية توظف للاستعراضات، ورغم حرصنا على ضرورة إعداد جيش قوي رصين موحد للأمة، لكن الفشل في ذلك جعل النفقات العسكرية بلا جدوى وتستنزف أموال الشعوب المغلوبة على أمرها. ولو كنا قد استثمرنا نصف تعداد جيوشنا وما صرف على تسليحها في التنمية على مدى خمسين عاما، أكان بقي حالنا على ما نحن عليه؟
لا تعد الجيوش بالكثرة وبما تملك من أكداس السلاح، إنما بالتدريب وعزيمة الإيمان، لقد استطاعت الفلوجة الباسلة مقاومة الأميركان ودحرهم بالسلاح الآلي والآر بي جي وصمدت غزة أسابيع بالسلاح الخفيف والصواريخ المحلية الصنع، وليس كما هرب الجنرالات ممن يحشدون النياشين على صدورهم في المعارك، لأي شيء لا ندري؟ ولمن الجيوش التي يُصرف عليها من أموال الشعوب الجائعة والفقيرة؟
لسنا ضد الإنفاق على جيوش قومية وعقائدية تدفع عن الأمة الغوائل، على ألا تتدخل فيما لم يعد من صلب اختصاصها كالانخراط باللعبة السياسية على حساب الفلسفة العسكرية الأصيلة، وذلك بعد الإيفاء بأود الناس وسد حاجاتهم الحياتية الأساسية في المأكل والملبس والسكن والعلاج أولا، ثم التعليم بالقلم وإعداد الشعوب علميا وثقافيا، فالجيوش والحروب لم تعد تقليدية كما كانت، وجيوش أفرادها أميون وقادتها بكروش ملئت من موائد الغرب، أقل من أن يعول عليها في تحقيق الانتصار.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .