لقد راهنا فيما سبق على نجاح التجربة التونسية بأكثر من مقالة في وقت كانت تتناوب فيه الأطراف السياسية على الشد والجذب، وأبواق الإعلام المدفوع الثمن تطرق أبواب الفضاء علوا منذرة ومحذرة وهي تضرب أخماسا بأسداس، تراهن على فشل الربيع الذي أزهر ياسمينا. وقلنا تونس الخضراء تبقى خضراء لأنها مؤهلة بدءا للنجاح، لا لأن حزب النهضة الإسلامي فاز بانتخابات المجلس التأسيسي وحاز الغالبية فحسب، وإنما في الأصل الذي تفجرت فيه ثورة تونس الأولى ببذرتها الإسلامية، وليرجع من يشاء إلى المؤتمر الذي عقد في القاهرة عام 1947، وضم حركات التحرر العربي الإفريقية تونس والجزائر والمغرب. وانبثقت عنه” لجنة تحرير المغرب العربي في يناير 1948، برئاسة الأمير محمد عبد الكريم الخطابي، وأمانة الحبيب بورقيبة، ونص ميثاقها على مبادئ أساسية منها:
1- المغرب العربي بالإسلام كان، وللإسلام عاش، وعلى الإسلام يسير في حياته المستقبلية.
2- المغرب العربي جزء لا ينفصل عن بلاد العروبة وتعاونه في دائرة الجامعة العربية، على قدم المساواة مع بقية الأعضاء أمر طبيعي ولازم.
لكن بورقيبة بميوله العلمانية وولائه للغرب حرف مسار الثورة طمعا بالرئاسة، وقد ألقى الزعيم صالح بن يوسف شريك بورقيبة في العمل الجهادي خطاباً حماسياً أمام جامع الزيتونة في أكتوبر 1956 رفض اتفاقات فرنسا مع بورقيبة بالاستقلال الداخلي، ودعا إلى ضرورة مواصلة الكفاح المسلح للحصول على الاستقلال التام ودعم نضال الشعب الجزائري والمغربي متهما إياه بالكفر وبأنه عميل للغرب وعدو للعروبة والإسلام. وفي الجامعة العربية ملفات لمذكرات عن تنكر بورقيبة للمبادئ ومواقفه المعادية للاتجاهات العروبية، وحكم بورقيبة تونس ثلاثة عقود حكما فرديا استبداديا، تلاه حكم بن علي الذي تميز بجهله وغبائه وفساده وسطوته.
نجاح الربيع بتونس لا يقارن بإخفاق الربيع بمصر مثلا، تونس ليست مصر لا في ثقلها العربي الدولي لتواجه تدخلات خارجية، ولا بعدد سكانها، ولا في تنوع طوائفها وأعراقها، ولا دور عساكرها، فعدد سكان تونس مجتمعين أقل من نصف سكان القاهرة الكبرى وحدها، ويشكل المسلمون السنة ما نسبته 98 % من سكانها، بينما عدد المسيحيين الأقباط بمصر 11 مليون قبطي يفوق عدد سكان تونس، ناهيك عن سائر الطوائف الأخرى، فالتوافق بمصر أعسر من التوافق في تونس، وعدد الجيش التونسي محدود ربما 50 ألف جندي، ولم يسبق له التدخل في السياسة والحياة التونسية المدنية اليومية، ولا يتحكم بالاقتصاد وإدارة المؤسسات، وليس له دولة ضباط عميقة كما هو الحال بمصر.
ولم تعرف تونس الفساد المالي الذي عرفته مصر قبل ثورة الربيع، فاقتصاد تونس خدمي سياحي وصناعات تحويلية وصيد وزراعة محدودة الدخل، وليس فيها رجال أعمال بسعة ما موجود بمصر، ولم يطل الفساد قاعدة المؤسسات بتونس كما في مصر أيام مبارك، وإنما اقتصر على فساد الأسرة الحاكمة ولاسيما في عهد بن علي، على عكس مصر، وتمتلك تونس نظاما تعليميا رصينا، وهذا يعني أن الثورة في تونس لم تكن معنية بتغيير النظام بقدر ما هي معنية بتغير رأس النظام الاستبدادي الذي اعتمد على القبضة الأمنية والاستخباراتية، وهو ما سهل على الترويكا الحاكمة الكثير من المصاعب. خلافا للمصاعب التي واجهتها الثورة بمصر التي كان عليها تغيير الرأس والنظام بأكمله..
كما أن حزب النهضة الإسلامي الجذور يختلف عن طبيعة تنظيم الإخوان بمصر، لحزب النهضة بتونس ولاء شعبي ولم تكن له الهيكلية الأسرية لتنظيم الإخوان المحكم، ولا سعة انتشارهم، وليس لديهم مؤسسات اقتصادية اجتماعية كالإخوان، ولا قواعد تؤهلهم للفوز بأغلبية أعضاء المجلس التأسيسي ورئاسة الجمهورية معا، لذلك كان عليهم بدءا أن يشكلوا توافق الترويكا من إسلاميين وعلمانيين، كما أن الدعوة السلفية في مصر كانت قوية احتضنها نظام مبارك ليحتمي بها ويواجه مد الإخوان، ولعب السلفيون بمصر دورا انتهازيا ففي الوقت الذي وقفوا فيه موقفا متشددا دينيا في كتابة الدستور أيام الرئيس مرسي، ورفضوا أي مساومة للانفتاح على دعاوى العلمانيين مما أوقع الإخوان بين نارين نار العلمانيين المتحررين ونار السلفيين المحافظين، السلفيون أحرجوا الإخوان بتشددهم، ثم مالوا إلى جانب العسكر أخيرا وتخلوا أو تنازلوا عن كل ما كانوا يطالبون به من تحكيم الشريعة الإسلامية في الدستور الجديد.
كل هذه الأسباب مجتمعة وغيرها كثير جعلت حزب النهضة واعيا بالأخطار تجمع الأحزاب العلمانية المعارضة التي تملكت زمام الإعلام واضطر إلى التوافق معها سياسيا في تونس عكس ما فعله الإخوان بمصر، ولذلك كانت طبيعة التركيبة في تونس أكثر تأهيلا للنجاح وأقل تعقيدا مما كانت عليه في مصر وسائر الدول العربية. فنجحت تونس في الإبحار والسير في الاتجاه السليم ونتمنى النجاح لمصر وشقيقاتها العربية.