العدد 1820
الثلاثاء 08 أكتوبر 2013
ربيع السودان.. وخريف السلطان د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الثلاثاء 08 أكتوبر 2013

 يتميز الشعب السوداني عن غيره بالألفة والوداعة والطيبة التي منّ الله بها عليهم بالفطرة، مع ما يعرف به السودانيون عامة من حرص على ثوابت الدين والقيم والتقاليد، وتمسك بالمثل والثبات على المبادئ لا يحيدون عنها إلا اضطرارا غير باغين ولا آثمين، ويتصف السودانيون بتماسكهم الأسري والتزامهم باللحمة القبلية، واحترام روابط الصداقة والجوار، وقد يتصور القارئ لأول وهلة أن الألفة والوداعة، تتصادم مع الثبات والإصرار على الموقف والقدرة على التحدي، على العكس هما متلازمتان، لولا هذه ما كانت تلك، ولا يعرف السودانيين إلا من عاشرهم وعاش بين ظهرانيهم زمنا، وخبرهم يرضون بالقليل، ويصبرون على الأذى قبل الانفجار والتمرد، ولاسيما على زعاماتهم وقياداتهم السياسية. ولولا هذه الخصال لرأيت السودان على اختلاف أعراقه ومذاهب أهله، وتعدد لغاتهم ولهجاتهم التي قد تصل إلى ثلاثمئة لغة، وتباين مصادرهم القبلية ينقسمون إلى عشرة أجزاء وليس إلى جنوب وشمال فحسب.

لكن السودانيين بعد الاستقلال عام 1956 ابتلوا كالكثير من الشعوب العربية بالانقلابات العسكرية، فما يكاد رئيس مدني يستلم الحكم إلا وانقلب عليه العسكر، وإذا حكموا دولة أفسدوها، فلا يزاح رئيس عسكري إلا بانقلاب عسكري، ودائما الخلف أسوأ من السلف، فلازمت السودان ظاهرة عسكرة السلطان عقودا، بدءا بالفريق إبراهيم عبود مرورا بعبدالرحمن سوار الذهب الوحيد الذي صدق وعده بالتخلي عن السلطة بعد انتخاب رئيس مدني انقلب عليه العقيد جعفر محمد النميري، وانتهاء بالفريق عمر حسن أحمد البشير الذي قضى في السلطة نحو ربع قرن ومازال يطمع بالمزيد. 

حكم الفريق البشير السودان ربع قرن انشق عليه حزبه، وانفصل جنوب البلاد عن شمالها، وعلى الرغم من سعة مساحة السودان قياسا بعدد سكانه وغنى أراضيه بالموارد الطبيعية فتربته الزراعية عالية الخصوبة، حتى دعاه العارفون بالزراعة وشؤون الاقتصاد بسلة غذاء العرب، ولديه خزين مرتفع من الثروة الحيوانية والسمكية والغابات ووفرة المياه. ويمتلك ثروة معدنية هائلة وقاعدة صالحة للصناعات الزراعية وقابلة للتنمية، ويصدر 60 طنا من الذهب سنويا، وكميات لا بأس بها من النفط، لكنه مع كل ما وهبه الله يشكو التخلف بثلاثية الفقر والجهل والمرض. 

ربع قرن لم تجلب فيها إصلاحات حكم البشير ووعوده غير تراجع البلاد إلى الوراء، فمع مرور الأيام والسنين تدنى دخل الفرد ومستوى المعيشة، ويعيش الاقتصاد السوداني بعد انفصال جنوب السودان صدمة بمؤسساته المالية والاقتصادية، انخفضت قيمة عملته إلى مستويات الانهيار، وارتفعت أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية من 50 - 100 %، وتعطلت إمدادات المصانع بالمواد الخام المستوردة لشح المعروض من اليورو والدولار، فارتفعت نسبة الفقر في ظروف هيمنة الإنفاق الأمني والعسكري، وارتفعت نسبة التضخم إلى 22 %، وتراجع الناتج القومي بنسبة 5 %، وازدادت نسبة البطالة فبلغت 28 %، وعجز الميزان التجاري أربعة مليارات دولار، وارتفعت قيمة الديون الخارجية إلى ثمانية وثلاثين مليار دولار. ولم يحقق انفصال الجنوب السلام، ومازال البشير يرى نفسه القائد الموهوب، وهبة السماء القادر على إخراج البلاد من أزماتها شأنه شأن كل العساكر التي تربعت على كراسي الحكم بغلبة القوة، وجعلت من نفسها وصية على الشعوب والأوطان، تتوقف الحياة بعدهم عن الإنجاب.

ورغم حياة الزهد والفاقة القاسية التي يعيشها شعب السودان، يقدم نظام البشير على حجب الدعم ورفع سعر المحروقات إلى الضعف ليمتص دماء وعرق الكادحين، ويسعف انهيار حكومته اقتصاديا، غير مبال بمعاناة غالبية الشعب، فيضيف إلى شروخ التصدع الضاربة في عمق الحياة السياسية والاجتماعية شرخا جديدا برفع أسعار الطاقة، فأشعلت شرارتها فتيل انفجار المغلوبين على أمرهم، وعوضا من أخذ المتظاهرين باللين والرحمة بحكم ظروف حياتهم المعيشية يواجهون بالنار والرصاص ليسقط العشرات ظلما وعدوانا، ولعلها القشة التي تقصم ظهر البعير فلا ينهض، فلم يعد أمام السودانيين إما التضحية بالقليل لإنقاذ مستقبل الوطن والأجيال، وإما الاستسلام للذل والهوان. أما الفريق البشير لم تعد خياراته مفتوحة، إما ان يتراجع عن قراراته برفع الدعم فتنهار حكومته اقتصاديا، أو يقتدي بعلي زين العابدين وحسني مبارك ويواجه المحكمة الدولية على ما ارتكب من جرائم ضد الإنسانية، أو يتعنت بعساكره وأمامه سيناريو ليبيا وسوريا واليمن، وكل الطرق تؤدي إلى الانتحار، وليس كل مرة تسلم الجرة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية