العدد 1797
الأحد 15 سبتمبر 2013
إلى وزارة التربية.. أولادنا أكبادنا تمشي على الأرض د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الأحد 15 سبتمبر 2013

“حِطّان المُعَلَّى” من شعراء صدر الإسلام، أغفل الرواة حياته واحتفوا بقصيدة جسد فيها إحساسه بعزّة نفسه وجلده في سبيل راحة أبنائه “زغب الحواصل” وقد ضن عليه الزمان ولكنه بقى لصيقا بهم حريصا عليهم، مؤثرا الإقامة بينهم قانعا بالقليل على الكثير في الترحال بعيدا عنهم، فأصبحت قصيدته من عيون الشِعر الإنساني، تتناقلها الأجيال، مصورا التدافع بين أمرين أحلاهُما مرّ: فراق أبنائه أو العيش بينهم والرضا بالفاقة. وذات يوم عاد إلى بيته مثقلا بالهموم، فتسابق نحوه الصغار يستقبلونه وكاد أحدهم أن يسقط على الأرض فهرع إليه واحتضنه بسعادة. وحسم أمره بالكف عن السفر منشدا.
أنزلنــي الدهرُ على حُكْمِـه مــن شامـخٍ عــالٍ إلـى خـَفْـــضِ
وغــالني الدهرُ بوَفْرِ الغِنى فليــس لـي مـالٌ سـوى عِرْضـي
أبــكانيَ الــدهـرُ، ويا رُبَّمـا أضحــكني الـدهـرُ بمـا يُـرْضـي
لولا بُنيّـاتٌ كـزُغْـبِ القَطــا رُدِدْنَ مــن بعــضٍ إلـى بـعــضِ
لكان لـي مُضْطَــرَبٌ واسـعٌ في الأرض ذاتِ الطول والعَرْضِ
وإنـمـــا أولادُنــــا بيننــــــا أكــــبادُنـا تمـشـي علــى الأرضِ
لو هَبّتِ الريحُ على بعضهـم لامتنـــعـتْ عيـني عـن الغَمْـــضِ
وإذ نثمن جهود وزارة التربية وسعيها الحثيث لتقديم الأفضل لأبنائنا، ونثني على انجازاتها ومواكبتها التقدم العلمي وتطور أساليب وطرق التدريس الحديثة وأخلاقيات التعليم، تبقى قلوبنا معلقة بأكبادنا وهي تمشي على الأرض ذهابا وإيابا إلى المدرسة وأعيننا تمتنع عن الغمض حين يذهبون وحتى يعودون، فحري بكل حريص أن يتفاعل مع إجراءاتها بإيجابية، وتقديم وجهات نظره إلى المسؤولين للنظر فيها ومتابعة المستجدات، فاليد الواحدة لا تصفق، ومع علمنا أن الوزارة تتخذ قرارات التغيير الفاعلة بعد دراسة وتمحيص، تبقى للبعض رؤية تحترم، وهواجس ينبغي إيصالها لمتخذي القرار. وسأتكلم عن تجربة وواقع مدارس البنين بمدينة عيسى وأطرافها.
ففي الوقت الذي نجد مدارس في المملكة تضم مراحل دراسية متعددة من الابتدائي إلى المرحلة الثانوية، نجد اتجاها آخر نحو تجزئة المراحل وتقسيم المرحلة الابتدائية إلى مرحلتين، فاغلب المدارس الابتدائية أصبح قبول الطلبة فيها حصرا من الأول الابتدائي إلى الرابع بقصد تأنيث هيئة التدريس، كمدرسة مدينة عيسى، وسند، وعمار بن ياسر، وجمعت صفوف الخامس والسادس الابتدائي في المنطقة بمدرسة الإمام الطبري، وحصرت المرحلة الإعدادية بمدرستي عثمان بن عفان وإعدادية مدينة عيسى، هذه التجزئة جعلت غالبية الطلبة تعاني بعد المدرسة عن سكناهم، وتجشمهم المتاعب في الوصول إليها صيفا وشتاء إضافة إلى إهدار الوقت صباحا وظهرا في الانتظار والتوصيل. وعلينا احترام وجهة النظر التربوية إن وجدت مبرراتها، أو من قبيل حكم القوي على الضعيف، ولنا التساؤل.
هل أخذت الوزارة بنظر الاعتبار الأسر التي لديها أبناء بمراحل متعددة الرابع الابتدائي والسادس والإعدادي والثانوي كيف سيتفرق شمل أبنائها ويتوزعون على أكثر من مدرسة شمالا وجنوبا شرقا وغربا؟ وهل لدى هذه الأسر متسع مادي وفسحة من الوقت لإيصال أولادها واللف والدوران بهم وسط مدينة عيسى صباحا وظهرا؟ وقد لمست بنفسي معاناة أم في مأساة أبنائها الأيتام، الرابع الابتدائي بمدرسة سند، والسادس الابتدائي في الإمام الطبري، والإعدادي في مدينة عيسى، والثانوي الله اعلم، ولا ننكر أن الوزارة سخرت متعهدي نقل مجاني للطلبة في حافلات مستأجرة، وهي خطوة رائعة ومحمودة من الوجهة النظرية، ولكن الشيطان يبرز في التفاصيل العملية والتطبيق.
يبدو أن المتعهدين وسواقهم عند توقيع العقود يتعهدون بإيصال الطلبة إلى مناطقهم حسب التوزيع الجغرافي للمجمعات التي أقرتها الوزارة وخططت لها، ولكن عند التطبيق لا يفون بوعودهم، ويتعسفون ويتحكمون بأولادنا أكبادنا، ومثال ذلك الحافلات المخصصة لطلبة سند أو جرداب يصر السواق أن يلتزموا بالخط المستقيم لشارع 77 لا يتجاوز طوله أربع كيلومترات، فإذا وجد مجمع في زاوية بعيدة عن الخط بمسافة كيلومتر فأكثر لا يدخلون إلى المجمع حتى لو وجد شارع ممهد، ترى هل يحتمل الصبيان ثقل الحقيبة المدرسية على ظهورهم وقطع المسافة في شمس الصيف ومطر الشتاء؟ وهل تستطيع أم الأيتام الأربعة استئجار ثلاث حافلات أخرى لإيصالهم، ولماذا سواق حافلات المدارس الخاصة كالباكستانية والهندية والفلبينية يوزعون الطلبة إلى دورهم، وحافلات المدارس الحكومية يرفضون ويبهدلون شموع المستقبل الذي نكد ونشقى من أجلهم، مع أن الحكومة البحرينية تدفع أكثر؟.
ويقف المرشدون الاجتماعيون والإدارة لا حول لهم ولا قوة، حتى لو عدد الطلبة بالحافلة أقل من طاقتها بكثير. هنا لابد لوزارة التربية أن تنتفض وتفي بوعدها للطلبة، أبناؤنا أبناؤها وهم أمانة في أعناق المسؤولين أمام الله حين يتعرضون للمخاطر والحوادث. فلابد من إلزام سائقي الحافلات إيصال كل طالب لا نقول إلى البيت بل إلى المجمع الذي يسكنه ولاسيما إذا وجد طريقا واسعا وممهدا، ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية