العدد 6452
الأحد 14 يونيو 2026
البحرين بلسم مجلس التعاون الخليجي.. الوحدة في ظل التنوع
الأربعاء 26 نوفمبر 2025

لكل تجمع عنصر بلسمي يعمل بطبيعته على لم الشمل ومعالجة أي قضية أو بوادر تباين، وهذه الأدوار الخفية التي تمارسها البحرين والتي تشكل القوة الحقيقية لمجلس التعاون الخليجي. قد يُخطئ البعض إذا اعتقد أن قوة المجلس تكمن في التجانس المطلق بين تفرعات مكوناته الثقافية، بينما الحقيقة أن هذه القوة تنبع من القناعة الجمعية بالالتفاف حول الملكيات والمشايخ والمصالح المشتركة، بالرغم من التنوع الهائل الذي يميز دول المجلس على مستويات متعددة.

البحرين: بلسم مجلس التعاون الخليجي
ابتدأنا المقالة بمقولة " لكل تجمع عنصر بلسمي يعمل بطبيعته على لم الشمل " فإننا نؤكد أنه بمناسبة قرب انعقاد القمة السادسة والأربعين للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون في شهر ديسمبر في مملكة التعايش البحرين، يجدر التأكيد على الدور البلسمي والمحوري الذي لعبه حكام المملكة الكرام من دعم الوحدة الخليجية. لقد تميز حكام البحرين بسعة الصدر وطول البال والحكمة في إدارة الملفات المعقدة، ما جعلهم حلقة وصل فاعلة في جمع الصف الخليجي والعربي والإسلامي.

ويظهر هذا الدور في عدة مستويات:
1.    الدبلوماسية والوساطة: كانت البحرين غالبًا وسيطًا بين مختلف الدول الأعضاء عند حدوث الخلافات، مستندة إلى نهج حكيم يقوم على الحوار والتفاهم.
2.    تعزيز الروابط الثقافية والاجتماعية: عملت البحرين على تعزيز الفعاليات والمبادرات المشتركة بين شعوب الخليج، ما ساهم في ترسيخ القناعة الجمعية بالوحدة والتكامل.
3.    الاستقرار السياسي: إن سعة صدر الحكام ونبوغهم في حل المشكلات جعل من البحرين رمزًا للرصانة والمرونة، وهو ما ساعد مجلس التعاون على تجاوز الأزمات الإقليمية والمحلية.
يمكن القول إن البحرين، بفضل سياستها المعتدلة وقيادتها الحكيمة، كانت بمثابة بلسم لمجلس التعاون الخليجي، حيث ساهمت في ترسيخ مفهوم التضامن المشترك وإدارة التنوع بالخبرة والحكمة.

نعم هناك تنوع في مجلس التعاون يمتد إلى التراكيب القبلية والاجتماعية، حيث تتباين الانتماءات القبلية والتاريخية والمذهبية بين المواطنين. كما تشكل التضاريس المتباينة عاملاً آخر في هذا التنوع، فالدول الأعضاء تجمع بين الصحاري الشاسعة، السهول الخصبة، الجبال الشاهقة، الأودية الغنية، المزارع، البحار، الأنهار، وحتى البحيرات، وكلها تُنتج ثقافات محلية متميزة ومتنوعة.

ويظهر هذا التنوع أيضًا في: الأزياء التقليدية: مثل الثوب الشدّ، والثوب الحجازي، والثوب النجدي، مع اختلافات في العقل وحجم الكراكيش. المأكولات والمشروبات: القهوة الحجازية تختلف عن القهوة النجدية أو البحرينية في طريقة التحضير ونوع البهارات المستخدمة. اللهجات والمفردات: هناك اختلاف لافت في المفردات وأمثلة القول بين المناطق المختلفة.

الوحدة المبنية على القناعة المشتركة
رغم هذا التنوع الكبير، هناك إدراك جماعي بأن التماسك السياسي والاجتماعي لا يقوم على الهوية الموحدة فحسب، بل على قناعة مشتركة بالولاء للملكيات والمشايخ والمصالح الاستراتيجية. وتتجلى هذه القناعة بوضوح عند مواجهة الأزمات والصدمات الإقليمية، والتي أظهرت مرونة المجلس ووحدته أكثر من أي وقت مضى.
يمكن القول إن المشترك العام بين دول الخليج هو القناعة بالوحدة والالتفاف حول الأنظمة التي أثبتت جدواها على مر الزمان. وهذا يرتبط بالبعد الديني والثقافي، إذ يؤكد القرآن على مفهوم الشورى، وهو الأساس الذي يقوم عليه كل عمل استشاري ومجلسي في هذه الدول. إن تاريخية الشورى وعمقها الثقافي يشكلان أحد العوامل التي تعزز التماسك الاجتماعي والسياسي.

الأزمات كعامل موحّد: على سبيل المثال، حرب الخليج الأولى (1990-1991)، وغزو العراق للكويت، كانت اختبارًا حقيقيًا لوحدة مجلس التعاون. فقد تضافرت الدول الأعضاء بسرعة لتقديم الدعم العسكري والدبلوماسي للكويت، مما أكّد أن القناعة الجماعية بالالتفاف حول الملكيات والمصالح المشتركة تتجاوز الخلافات الداخلية أو الاختلافات الثقافية.

كما ساهمت الحروب والأزمات اللاحقة، مثل حرب الخليج الثانية والتحديات الإقليمية في أوائل القرن الواحد والعشرين، في تعزيز هذه الوحدة، إذ أدركت الدول أن أي تهديد لأحد الأعضاء يمثل تهديدًا للجميع.

وقد دفع هذا التحدي المشترك إلى تطوير سياسات أمنية وعسكرية مشتركة، بما في ذلك إنشاء قوات درع الخليج وأنظمة التنسيق الأمني، كما عزز التعاون الاقتصادي والدبلوماسي، مثل دعم الكويت بعد الغزو، والتنسيق في مجالات الطاقة والبنية التحتية. وهكذا، تظهر قوة مجلس التعاون الخليجي في الوحدة القائمة على الاختلاف، حيث يتم تحويل التنوع الثقافي والاجتماعي والجغرافي إلى رصيد استراتيجي يعزز الاستقرار والتعاون.

كلمة ختامية: البحرين بلسم مجلس التعاون الخليجي
وفي ختام هذه المقالة، نؤكد أن البحرين تبقى بلسم مجلس التعاون الخليجي، دولة التعايش والوئام، ورمزًا للحكمة والرصانة في إدارة الشؤون الخليجية. بقيادة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، جسدت البحرين نموذجًا فريدًا في لم الشمل ومعالجة أي بوادر تباين، محافظة على وحدة المجلس وتعزيز التضامن بين دوله، بالرغم من التنوع الكبير في التكوينات الاجتماعية والثقافية والجغرافية.

لقد أثبتت البحرين بذكاء قيادتها وحنكتها الدبلوماسية أن القوة الحقيقية لمجلس التعاون ليست في التجانس المطلق، بل في القدرة على إدارة التنوع وتحويله إلى رصيد استراتيجي يعزز الأمن والاستقرار ويضمن مصالح الشعوب الخليجية كافة. وإن كل قمة وكل اجتماع لمجلس التعاون في البحرين يؤكد مرة أخرى أن هذه المملكة الشقيقة، بقيادتها الحكيمة، ستظل دائمًا عنصرًا بلسمًا ووحدة محفزة للتضامن الخليجي، حافظة على مفهوم الوحدة في ظل التنوع.

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .