العدد 6452
الأحد 14 يونيو 2026
السياحة كظرف مادي يقاوم إزالة الوسيط البشري: بين تفكك الذاكرة الرقمية واستمرار لحظة الضيافة
الأحد 23 نوفمبر 2025

على الرغم من أن تقنيات إزالة الوسيط البشري (Disintermediation) قد أحدثت تحولًا عميقًا في بنية الخدمات الحديثة، مما أدى إلى انحسار دور الأشخاص الذين شكّلوا "النسيج الإنساني" للمؤسسات (Suthar & Kumar, 2025)، فإن السياحة تبقى من المجالات القليلة التي لم تستطع الرقمنة أن تلغي فيها الوساطة البشرية كليًا. فالسياحة، بخلاف مجالات التعلم أو الصحة أو المالية، تعتمد على لحظة لقاء مادية يجمع الضيف بالمضيف في فضاء جسدي-عاطفي لا يمكن للخوارزميات اختزاله أو اتخاذ مكانه.

تشير الأدبيات الحديثة إلى أن إزالة الوسيط البشري أدّت إلى محو الذاكرة المؤسسية، وانسحاب الخبرة الإنسانية، وتآكل العلاقات الأخلاقية التي كانت تضبط الخدمة (Suthar & Kumar, 2025). وفي السياق نفسه، توضح Chen (2025) أن الذاكرة الرقمية نفسها أصبحت هشة؛ فالخوارزميات "تنسى" ما لا يمكن قياسه، أو ما لا يعدّ مفيدًا لنموذج التعلم، مما يؤدي إلى شكل جديد من الأمْنَسيا الثقافية الناتجة عن "النسيان الآلي" سواء كان غريزيًا أو متعمّدًا.

غير أن هذه التحولات لا يمكن إسقاطها بالكامل على السياحة، لأن السياحة تمتلك شروطًا مادية واجتماعية تجعل لحظة اللقاء الحضوري عصيّة على التفكيك. ففي مراحل ما قبل اللقاء—الحجز، التخطيط، الدفع—تقلّصت الوساطة البشرية بشكل واضح بفعل المنصات الرقمية. وفي مرحلة ما بعد اللقاء—المراجعات، التقييم، التفاعل الثقافي الممتد—أصبح الوسيط خوارزميًا أيضًا. ولكن أثناء اللقاء نفسه، أي في لحظة الضيافة المباشرة، يستعيد البشر دورهم بوصفهم منتجين للمعنى وللذاكرة، وليس مجرد ناقلين للخدمات.

فالضيافة السياحية ليست خدمة يمكن أتمتتها، بل هي شبكة من الإيماءات والعواطف والسياقات التي تُخلق في الوقت الحقيقي: نبرة الترحيب، نظرة التفهّم، حركة اليد، محاولات الترجمة، التفاوض الرمزي، والاحترام المتبادل. هذه التفاعلات تمثل ما يسميه Connerton (1989) الذاكرة المجسدة embodied memory، أي الذاكرة التي تُحفظ في الجسد والممارسة وليس في الملفات والبيانات. ولهذا فإن السياحة، بخلاف القطاعات التي تفقد "حَفَظة الذاكرة" تحت ضغط الرقمنة، تُنتج ذاكرة حية في كل لقاء، وتعيد تشكيل العلاقات من جديد.

وبذلك، فإن السياحة تُنشئ واقعًا Offline خاصًا بها، يمتلك شروطًا للعلاقات لا يمكن للأنظمة الرقمية أن تحلّ محلها: رغبة الضيف في التعارف، رغبة المضيف في تمثيل ثقافته، والاشتباك الإنساني العابر للّغات والحدود. وهذا اللقاء لا يعيد فقط إنتاج الضيافة، بل يُعيد كذلك إنتاج وسيط بشري جديد، ليس بصفته موظفًا بل فاعلًا ثقافيًا وحاملًا للذاكرة.

إن السياحة، بوصفها فضاءً للعلاقات الإنسانية المباشرة، تُقدّم أحد آخر النماذج التي تقاوم التوسع الشامل لإزالة الوساطة. فهي لا تحارب الرقمنة، لكنها تخلق منطقة اجتماعية لا تستطيع الرقمنة النفاذ إليها بالكامل—منطقة تشكّل فيها الذاكرة البشرية، وليست الذاكرة الخوارزمية، جوهر التجربة.

تُظهر السياحة أن Disintermediation  لا توفر الظروف اللازمة على تقليص الوساطة البشرية داخل لحظة اللقاء الواقعي بين الضيف والمضيف، بل على العكس توفر شروط مادية تعزز دور الانسان ليحتك مع الانسان.

فبينما تقود الرقمنة عبر Disintermediation  إلى اخفاء "الأيدي التي كانت تمسك بنا"

(Suthar & Kumar, 2025) ، وإلى تزايد هشاشة الذاكرة الرقمية عبر آليات "النسيان الآلي"   (Chen, 2025).

عليه تبقى السياحة ذلك النشاط البشري الواسع الذي يساهم في إنتاج ذاكرة مجسدة وعلاقات إنسانية لا يمكن للخوارزميات محوها أو استبدالها. إن السياحة ليست مجرد صناعة؛ إنها بنية علاقات تحافظ على الوسيط البشري كضرورة معرفية وثقافية وأخلاقية. ولهذا تظل السياحة نموذجًا مضادًا لموجة التفكيك الرقمي—نموذجًا يذكّرنا بأن التجربة الإنسانية لا تزال تحتاج إلى وسيط بشري، وإلى ذاكرة حية، وإلى لقاء لا يمكن "أتمتته".

المراجع

  • Chen, J. (2025). Digital amnesia: Machine unlearning and the fragility of cultural memory. AI & Society, 40, 5589–5590.
  • Connerton, P. (1989). How societies remember. Cambridge University Press.
  • Suthar, N., & Kumar, D. (2025). Absent hands: How disintermediation erases the people who hold us together. AI & Society.
هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية