تحتفل في هذا الشهر كل من مملكة البحرين وشقيقتها دولة الإمارات العربية المتحدة بمناسبات وطنية عزيزة تتمثل بالأعياد الوطنية للمملكة وبعيد الإتحاد الواحد والخمسين لدولة الإمارات، و لا شك في أن العلاقات البحرينية الإماراتية تعتبر أنموذجاً يحتذى به في العلاقات الأخوية حيث تعمقت و تجذرت أواصر المحبة والتعاون الثنائي خلال العقود الماضية بفضل تلاحم قيادتي وشعبي البلدين الشقيقين.
وكما أن البلدين - كسائر دول الخليج العربي- يجمعهما تاريخ وثقافة واحدة و يشتركان في وحدة المصير والهدف ، كذلك فإن مملكة البحرين وشقيقتها دولة الإمارات العربية المتحدة حققتا نجاحات مشتركة على مختلف الأصعدة التنموية والاقتصادية والاجتماعية حيث احتلت الإمارات المرتبة 26 والبحرين المرتبة 35 من بين 191 دولة بحسب تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للعام 2022 ،والملفت للانتباه هو أن دولة الإمارات جاءت في المرتبة الأولى عربياً بحسب نفس التقرير ومن بعدها جاءت مملكة البحرين مباشرة في المرتبة الثانية.هذه النجاحات و الإنجازات للدولتين الشقيقتين جاءت بفضل حكمة قيادتي البلدين وإيمانهما بضرورة الاستثمار في المواطن لبناء اقتصادات قائمة على المعرفة حيث ركزت رؤية البحرين 2030 و مئوية الإمارات 2071 على ضرورة تزويد الشباب بالمهارات والمعارف التي تمكنهم من المساهمة في بناء مجتمعاتهم والمنافسة عالمياً.
ولهذا الغرض ومنذ بدايات العقد الأول من الألفية الثالثة تم إطلاق العديد من البرامج والاستراتيجيات الطموحة لإصلاح المنظومة التعليمية في كلا القطرين الشقيقين ، حيث ركزت هذه المشاريع التطويرية -ولأول مرة منذ انطلاق التعليم النظامي في الدولتين- على تحقيق نقلة نوعية شاملة في جميع ما يرتبط بالمؤسسات التعليمية والتدريبية. كما أن المتتبع لهذه الإصلاحات يلحظ مدى التشابه في المبادرات التي تبناها البلدان والتي حققت نجاحات ملموسة في رفع مستوى المخرجات التعليمية للطلبة الإماراتيين والبحرينيين.
ولعل من أبرز هذه المبادرات التي تم تبنيها هي التي تتعلق بإعادة هيكلة قطاع التعليم والتدريب وجعله أولوية حكومية تتشارك في إدارتها جميع الجهات المختصة ، ففي هذا السياق تم إنشاء المجلس الأعلى لتطوير التعليم والتدريب بمملكة البحرين في العام 2015 برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء آنذاك سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة ، والذي تلاه تشكيل مجلس التعليم والموارد البشرية بدولة الإمارات العربية المتحدة في العام 2016 برئاسة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي.
وبعد تحقيق كلا المنظومتين التعليميتين لمعظم الأهداف الكمية للتعليم خلال العقود الماضية من بناء للمدارس وتوفير للخدمات التعليمية لجميع الطلبة و تزويد المؤسسات التعليمية بالكوادر التدريسية ، شرعت الدولتين في الاهتمام بنوعية وجودة الخدمات التعليمية المقدمة من قبل المؤسسات التربوية بمختلف مستوياتها. حيث تم إنشاء هيئات متخصصة لضمان جودة ما يقدم و لتقييم أداء المدارس ومؤسسات التدريب والتعليم العالي. ففي العام 2005 تم إنشاء مجلس أبوظبي للتعليم (دائرة التعليم والمعرفة حالياً) و بعدها بعام تم إنشاء هيئة المعرفة والتنمية البشرية بإمارة دبي ، كما تم كذلك خلال شهر مايو الماضي إنشاء هيئة اتحادية تابعة بشكل مباشر لمجلس الوزراء بدولة الإمارات تُعنى بتقييم جودة التعليم بكل حيادية وشفافية. و في مملكة البحرين تم تأسيس هيئة مستقلة لجودة التعليم والتدريب في العام 2008 للقيام بنفس المهام المتعلقة بتقييم أداء مختلف المؤسسات التعليمية والتدريبية بالمملكة.
ولأن إصلاح وتطوير التعليم لا يتأتى إلا عبر الاستثمار في الكوادر الوطنية الكفوءة والمؤهلة بادرت كل من مملكة البحرين وشقيقتها دولة الإمارات بالاستعانة بأفضل التجارب الدولية في هذا المجال حيث تم تأسيس كلية الإمارات للتطوير التربوي في العام 2007 تلاها إنشاء كلية البحرين للمعلمين وذلك في العام 2008 بالشراكة مع المعهد الوطني للتربية بجمهورية سنغافورة ، حيث ساهمت هاتان المؤسستان على مدار عقد و نيف في تزويد النظامين التعليميين في البحرين والإمارات بجيل جديد من المعلمين والقيادات المدرسية الشابة المزودة بأفضل الممارسات والاستراتيجيات التعليمية والتربوية مما انعكس إيجابا على جهود تحسين أداء المدارس في القطرين الشقيقين.
ولاستدامة عمليات التطوير والتحسين وللارتقاء بالمنظومة المدرسية في كل من المملكة ودولة الإمارات تم إطلاق مبادرات متنوعة في هذا الجانب. ففي العام 2008 دشنت وزارة التربية والتعليم البحرينية مشروع تحسين أداء المدارس والذي يُعنى بتطوير مختلف جوانب العمل المدرسي من عمليات التعليم والتعلم والقيادة والتقييم والجوانب السلوكية والشخصية لدى الطلبة وتم كذلك تطوير نموذج " المدرسة البحرينية المتميزة" كوثيقة مرجعية للمدارس تساعدها في تحقيق التحسين المنشود. وعلى الجانب الآخر، أطلقت دولة الإمارات العربية المتحدة في العام 2017 مشروع " المدرسة الإماراتية" لتوحيد منظومة العمل المدرسي الاتحادي ، حيث يهدف هذا النموذج لإحداث نقلة نوعية في مستوى التعليم المدرسي من خلال تبني مسارات جديدة للتعلم في مختلف المستويات الدراسية و لتزويد الطلاب بمهارات القرن الحادي والعشرين عبر تطبيق مناهج متطورة تواكب أفضل الممارسات الدولية.
وبناء على ما تحقق من نجاحات وخبرات في مجال تطوير العمل المدرسي في كلا الدولتين وتعزيزاً لأساليب الحوكمة والإدارة ، تم في بدايات العام الماضي إنشاء وتفعيل أطر جديدة لإدارة المؤسسات المدرسية فيهما. ففي مملكة البحرين تضمن الهيكل التنظيمي الجديد لوزارة التربية والتعليم استحداث قطاع جديد لشؤون المدارس بحيث تم فصل العمليات التعليمية وما يتعلق بتسيير العمل المدرسي عن الجهات المعنية بوضع وتنفيذ السياسات والخطط التربوية تماشياً مع أفضل التجارب للأنظمة التعليمية المتميزة. أما في دولة الإمارات العربية المتحدة فقد تم تفعيل عمل "مؤسسة الإمارات للتعليم المدرسي" حيث أصبحت هي الجهة الإتحادية المسؤولة بشكل مباشر عن إدارة وتشغيل المدارس ورياض الأطفال الحكومية وكل ما يتعلق بتطوير أداءها وتوفير البيئة المناسبة لتعزيز تعلم الطلبة فيها.
وعلى صعيد التعلم الإلكتروني والرقمي فإن البلدين الشقيقين يعتبران رائدان في هذا الجانب بفضل الاستشعار المبكر لأهمية الاستثمار في هذا المجال الحيوي. ففي العام 2004 دشنت مملكة البحرين مشروع جلالة الملك حمد لمدارس المستقبل والذي ساهم في توفير التعلم الإلكتروني في جميع المدارس الحكومية عبر إيجاد البنية التحتية اللازمة لذلك وتدريب الكوادر التربوية على أحدث برمجيات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ، وبعد عقد من الزمان وبناء على ما تحقق من نجاحات لهذا المشروع المتميز تم إطلاق مشروع التمكين الرقمي للتوسع في توفير خدمات تعليمية رقمية جديدة للطلبة وتعزيز التواصل بين جميع الشركاء في العملية التعليمية. واما في دولة الإمارات العربية المتحدة فقد تم إطلاق برنامج سمو الشيخ محمد بن راشد للتعلم الذكي وذلك في العام 2012 ليوفر حلول التعلم الذكية لجميع طلبة المدارس عبر توفير الأجهزة التقنية الذكية وتدريب المعلمين والقيادات المدرسية للتمكن من تبني أفضل الممارسات في هذا المجال. ولذلك فإن مملكة البحرين والشقيقة دولة الإمارات كانتا من بين الدول القلائل التي استجابة بشكل سريع وفعال للإرباك الذي تسببت به جائحة كورونا للعملية التعليمية حيث تمكن النظامين التعليميين من تطويع ما يمتلكانه من أنظمة رقمية وتكنولوجية للإنتقال بشكل سلس لأنماط التعلم عن بعد والتعلم المدمج وتقليل التأثير السلبي للجائحة على تعلم الطلبة.
ولذلك فلا غرو في إن هذه الإصلاحات والمشاريع التربوية والتعليمية الرائدة في كلا القطرين الشقيقين انعكست آثارها الإيجابية على تحصيل الطلبة الأكاديمي محلياً وعالمياً. فقد حقق طلبة مملكة البحرين إنجازات غير مسبوقة في نتائج اختبارات دراسة التوجهات الدولية للرياضيات والعلوم (TIMSS) في العام 2019 ، حيث جاء الطلبة البحرينيون في المركز الأول عربياً في العلوم وذلك للصفين الرابع والثامن أما في الرياضيات فقد حقق طلبة الصف الثامن المركز الأول على المستوى العربي بينما أحرز طلبة الصف الرابع المركز الثاني عربيا بفارق نقطة واحدة عن صاحب المركز الأول. وفي العام 2016 أحرزت الطالبات البحرينيات المركز الأول عربياً في الاختبار الدولي لقياس التقدم في المهارات القرائية (PIRLS). وكذلك فعل أقرانهم الإماراتيين ، فقد تفوقوا خلال الأعوام 2009 و 2015 و 2018 على جميع زملائهم العرب المشاركين في البرنامج الدولي لتقييم الطلبة “PISA” والذي يقيس مدى تمكن الطلبة البالغين من العمر 15 عاماً من توظيف مهاراتهم في الرياضيات والعلوم والقراءة وتطبيقها في المواقف الحياتية والعملية.
لذا يمكننا القول وبكل ثقة واطمئنان أن قطاع التعليم والتدريب بمملكة البحرين وشقيقتها دولة الإمارات العربية المتحدة يسير وفق خطى ثابتة نحو التميز والعالمية بفضل ما يحظى به من رعاية واهتمام من قيادتي البلدين اللتين طالما أكدتا على محورية هذا القطاع في جميع خطط التنمية الشاملة.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |