العدد 4625
الأحد 13 يونيو 2021
سلمان زايد
دور القيادة المدرسية في ظل الأوضاع الاستثنائية: جائحة كورونا مثالاً
الإثنين 17 مايو 2021

تجمع العديد من الدراسات والأبحاث التربوية الحديثة على الدور البالغ الأهمية الذي تلعبه القيادات المدرسية في تحسين أداء المدارس وفي التأثير على التحصيل الأكاديمي للطلبة ولو بشكل غير مباشر من خلال ما تطبقه هذه القيادات من استراتيجيات وممارسات تعمل على الرقي بأداء المدرسة كمؤسسة تربوية من خلال توفير فرص التدريب والتمهن المناسبة للمعلمين والتي تساهم بدورها في رفع مستويات أدائهم مما ينعكس إيجابا على عمليتي التعليم والتعلم داخل الفصل الدراسي.

كذلك تشير الأدبيات التربوية لتغير دور وطبيعة عمل القيادة المدرسية، حيث أن القائد المدرسي لم يعد مسؤولا فقط عن تسيير الشؤون الإدارية والمالية للمدرسة وما يرتبط بها. بل توصي العديد من الدراسات الدولية الرصينة بضرورة تبني القيادة المدرسية لأنماط قيادية جديدة تركز على عمليتي التعليم والتعلم داخل الصف لرفع الإنجاز الأكاديمي للطلبة والذي ينعكس بدوره على الأداء العام للمدرسة. لذلك يمكن القول بأن مستوى أداء المدرسة ونجاحها يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بجودة ومستوى القيادة المدرسية نفسها، حيث لا يمكن لمدرسة ذات قيادة ضعيفة أن تحقق مستويات أداء مرتفعة.

كما تشدد الاتجاهات التربوية المعاصرة على توسيع مفهوم القيادة المدرسية، حيث أنها باتت لا تعني بالضرورة " القيادة العليا" في المدرسة والمتمثلة في مدير المدرسة والمدراء المساعدين. فقد توسع مفهوم القيادة المدرسية ليشمل ليس فقط القيادة الوسطى من معلمين أوائل ومنسقي أقسام، بل حتى المعلم نفسه أصبح ينظر له كقائد تربوي تقع عليه مسؤوليات عديدة اتجاه نجاح منظومة العمل المدرسي.

تأسيساً على هذه النظريات والرؤى الجديدة لمفهوم القيادة التربوية، يتضح لنا جلياً الدور البالغ الأهمية الذي تضطلع به هذه القيادة بمستوياتها المختلفة في ظل الأوضاع الاستثنائية التي تسببت بها جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) منذ ربيع العام الماضي. وبات ضمان جودة عمليتي التعليم والتعلم خلال هذه الفترة من أبرز التحديات التي تواجه القيادات المدرسية في مختلف الأنظمة التعليمية حول العالم. ولا يمكن العمل على تحسين هذا المجال المهم من غير التمكن من إدارة هذه الأزمة من مختلف الجوانب الاجتماعية والنفسية والصحية داخل وخارج المدرسة.

لربما تكون أزمة الجائحة الحالية هي الأكثر إرباكاً للأنظمة التعليمية خلال العقود الماضية بسبب اتساع نطاق انتشارها في مختلف بلدان العالم وتسببها في تعطيل التعليم بنمطه التقليدي نظراً للإجراءات الصحية التي تفرض قواعد التباعد الاجتماعي لاحتواء انتشار العدوى. وقد بدا واضحاً أثر هذه الإجراءات وما فرضته من انتقال إما بشكل كلي للتعليم عن بعد من خلال الوسائط والمنصات الإليكترونية المختلفة أو التعليم الهجين الذي يجمع بين التعليم التقليدي والتعليم الإليكتروني بحسب الوضع الوبائي في كل بلد. ولكن الأزمة الحالية وإن كانت غير مسبوقة النطاق، فقد سبقتها بعض الأزمات والكوارث في أجزاء من العالم والتي فرضت بدورها تحديات عديدة على القيادات المدرسية في تلك البلدان للتعامل مع ما تركته هذه الأزمات من آثار على مختلف الجوانب المتعلقة بالعملية التعليمية. لذلك من الممكن الاستفادة والتعلم من هذه التجارب السابقة لمواجهة الأزمة الحالية واستخلاص أفضل الممارسات التربوية في هذا الجانب.

تعد البروفسورة " كارول متش"   Carol Mutch الأستاذة بجامعة أوكلاند بنيوزيلندا من أبرز العلماء التربويين المتخصصين في تقييم مدى استجابة المدارس للكوارث والأزمات ودور المدرسة كمؤسسة مجتمعية في تخطي مثل هذه الأوضاع الاستثنائية. حيث أجرت البروفسورة " كارول" خلال السنوات الست الماضية وقبل جائحة الكورونا العديد من الدراسات والأبحاث التربوية المعمقة حول كيفية استجابة الأنظمة المدرسية في كل من "نيوزيلندا واستراليا واليابان وساموا والنيبال" للتوقف المفاجئ للعملية التعليمية نتيجة للأزمات والكوارث الطبيعية التي واجهتها وكيفية تغلبها على آثارها السلبية من خلال إعادة استئناف العملية التعليمية.

من خلال هذه الدراسات والأبحاث التي طبقت في هذه البلدان المختلفة وضعت البروفسورة " متش" إطارًا عمليًا يتكون من أربعة محاور مهمة يجب التركيز عليها قبل وأثناء وبعد الأزمات. المحور الأول يتعلق بتعزيز دور المدرسة كمؤسسة مجتمعية، حيث أن المدارس ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمجتمعات التي تنتمي إليها ولا يقتصر دورها على تقديم الخدمات التعليمية، بل أن الكثير منها يستضيف فعاليات توعوية ورياضية وثقافية وصحية لأفراد المجتمع قبل وأثناء وبعد أي أزمة. وتتعاظم أهمية هذا الدور أثناء الكوارث والأزمات حيث تتحول المدارس لمراكز تساعد المجتمع على التعافي ويعطي استمرارها في العمل الأمل لأفراد المجتمع ويعكس إصرارهم على المضي قدماً لاستئناف حياتهم الطبيعية. حيث تتحول الكثير من المدارس خلال الأزمات لمراكز مؤقتة لاحتضان المتضررين وتساهم فيما بعد في تقديم الدعم النفسي والمعنوي للطلبة.

المحور الثاني يشدد على ضرورة تمكين قادة المدارس من إدارة الأزمات عبر توفير التدريب والتأهيل الكافي لهم للتعامل مع أي طارئ قبل حدوثه. حيث بينت الدراسات التي قامت بها البروفسورة "متش" إلى افتقار العديد من قادة المدارس للتدريب اللازم للتعامل مع الأزمات والكوارث الكبرى حيث أن غياب هذا التدريب أثر تأثيراً كبيراً على قدرتهم على التعامل مع مثل هذه المواقف. أشارت هذه الأبحاث أيضاً لضرورة توزيع المهام والأدوار بين مختلف الفرق واللجان داخل المدرسة الواحدة وضرورة وضوح دور كل فرد فيها بحيث يستطيع القيام بدوره حال وقوع أي طارئ. كما بينت تجارب الأنظمة المدرسية التي واجهت أزمات سابقة إلى ضرورة أن يكون القائد المدرسي حاسماً في قراراته وأن يكون أول المتواجدين لقيادة المدرسة أثناء حدوث الأزمة مع حفاظه على هدوئه وإبداءه للتعاطف والاهتمام بسلامة من حوله، على ألا يغفل كذلك عن سلامته وصحته الجسدية والنفسية.

فيما يختص المحور الثالث بضرورة تضمين برامج إعداد المعلمين وبرامج التنمية المهنية المستمرة للكفايات اللازمة التي تؤهل المعلمين للتعامل مع مختلف جوانب الأزمة مثل كيفية استئناف العملية التعليمية وتكييف المنهج الدراسي ليوائم الظروف المتولدة جراء الأوضاع الاستثنائية. كذلك أشار الكثير من المعلمين في الدول التي واجهت أنظمتها المدرسية كوارث وأزمات سابقة لافتقارهم للتدريب الكافي للتعامل مع التحديات النفسية والعاطفية التي يمر بها الطلبة المتأثرين هم أو أفراد عوائلهم جراء هذه الأزمات. ويجب هنا عدم إغفال الضغط الشديد الذي يمر به المعلمين جراء التعامل مع هكذا أزمات، حيث أنهم أنفسهم قد يكونوا ضحايا لهذه الأزمة أو الكارثة ومع ذلك تراهم يتقدمون الصفوف الأمامية ويستمرون في تأدية رسالتهم التعليمية.

أما المحور الأخير يتعلق بضرورة قيام المدرسة بتوفير الدعم النفسي والمعنوي للطلبة أثناء وبعد كل أزمة حيث أن الكثير منهم يصاب ببعض الاضطرابات السلوكية والجسدية والقلق والخوف جراء التعرض لهذه المواقف الصعبة. بينت الدراسات التي أجريت حول هذا الشأن عدداً من الأنشطة والممارسات التربوية الفاعلة التي جربت في عدداً من المجتمعات التي مرت بأزمات وكوارث سابقة وأثبتت نجاعتها في التخفيف من آثار هذه الأزمات، مثل النشاطات الفنية واستخدام الأسلوب القصصي من خلال القصص المصورة ومسرح الدمى والنقاشات للسماح للطلبة بالتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم مما يساعدهم في فهم الواقع الذي يمرون به والتعافي مما يعانون منه من اضطرابات. أما بالنسبة لمن يعاني منهم من اضطرابات أكثر حدة وخطورة فيجب أن يتم توفير دعم مكثف لهم من قبل المختصين. كذلك أشارت الدراسات والأبحاث التي أجريت من قبل البروفسورة النيوزيلندية " كارول ميتش" إلى ضرورة الاستماع لآراء الطلبة حول كيفية التعامل مع أي أزمة تحدث في مجتمعهم وتأثر على حياتهم وأنشطتهم التعليمية. بل أن هذه الدراسات توصلت لضرورة إشراك الطلبة في الأنشطة والحملات التي تساهم في تعافي مجتمعاتهم مما تمر به من أزمات وذلك بحسب ما هو متاح وما لا يعرضهم للخطر.

في ظل الأوضاع الراهنة واستمرار تأثر العملية التعليمية بظروف جائحة الكورونا، قد يساهم فهم وتحليل مثل هذه الأطر العملية والدراسات التربوية الرصينة في تزويد صانعي القرار والعاملين في الميدان التربوي من قيادات ومعلمين بعدد من الاستراتيجيات والممارسات التي اثبتت جدواها في التقليل من آثار هكذا أزمات، بالرغم من وجود بعض الفوارق والاختلافات بحكم الواقع الجغرافي والثقافي والاجتماعي لكل بلد.

وتعد مملكة البحرين من أوائل الدول التي استجابت مبكراً لما فرضته الجائحة من تعطيل للدراسة بشكلها التقليدي حيث وفرت انتقال سلس ومرن للعملية التعليمية عبر المنصات الاليكترونية والوسائط الرقمية الحديثة، بحيث كانت الأولوية هي الحفاظ على سلامة الطلبة واستمرارية الخدمات التعليمية. ولعل من أبرز الخطوات الرائدة التي تم تطبيقها هي استحداث هيئة جودة التعليم والتدريب لإطار جديد لتقييم ممارسات المدارس في ظل الأوضاع الاستثنائية والذي يهدف إلى قياس ما يتم تقديمه من حد أدنى من متطلبات لسير العملية التعليمية لضمان حق الطلبة في التعلم بشكل آمن خلال هذه الفترة. كذلك تمت مراعاة التحديات الجديدة التي تقع على عاتق المدارس وقياداتها حيث أن تقييم أداء العملية التعليمية يخضع لآليات مخففة بحسب الإطار المستحدث.

كما وفرت وزارة التربية والتعليم العديد من الفرص لتنمية مهارات القيادات والعاملين في الميدان التربوي لمواجهة هذه الظروف الاستثنائية عبر تسخير كافة الامكانيات والموارد التي تكفل توفير بيئة آمنة للطلبة والكوادر الإدارية والتعليمية بالمدارس. ومن أبرز المبادرات التي تم تطبيقها هي تأسيس أكاديمية " ثمرات" لاستدامة التدريب المقدم عن بعد لمنتسبي مدارس وزارة التربية والتعليم وتزويدهم بمختلف المهارات والمعارف والاستراتيجيات التي تساعدهم على الاستجابة لتحديات الوضع الراهن.

كما كان لمركز القيادة التربوية بكلية البحرين للمعلمين - والذي تم افتتاحه بداية العام 2019  من قبل سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة  نائب رئيس  مجلس الوزراء و رئيس المجلس الأعلى لتطوير التعليم والتدريب - دور بارز في دعم القيادات التربوية  بالمدارس الحكومية حيث قام المركز بإجراء مسح ميداني لاستطلاع آراء هذه القيادات حول التحديات التي تواجهها خلال هذه الفترة الاستثنائية وبناء على نتائج هذا الاستطلاع طور المركز عدداً من ورش العمل خلال الفترة الماضية لتلبية هذه الاحتياجات والتي تم تقديمها من قبل أعضاء الهيئة الأكاديمية بالكلية.

بالرغم من التحديات الجمة التي فرضتها جائحة كورونا، فقد بدأت العديد من الأنظمة التعليمية التكيف مع هذا الوضع وإيجاد الحلول والممارسات التربوية الفعالة لمعالجة آثار الإرباك الناتج عن توقف العملية التعليمية بصورتها التقليدية. بل أن مراكز الأبحاث التربوية وبيوتات الخبرة المختصة بتحسين أداء وفاعلية المدارس والهيئات التربوية العالمية بدأت في استشراف مرحلة ما بعد الجائحة وما قد تحمله من تحديات وفرص لقطاع التعليم المدرسي. حيث يتم التركيز حالياً على تمكين القيادات المدرسية من معالجة بعض القضايا المترتبة على الأزمة مثل تعويض الفاقد التعليمي للطلبة، وتوفير الدعم النفسي والعاطفي للطلبة وأعضاء الهيئات التعليمية والإدارية بالمدارس، وكذلك تكثيف الدعم للطلبة الأكثر تضرراً ممن يعانون من صعوبات تعلم واضطرابات ومشاكل نفسية وسلوكية واجتماعية.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية