العدد 5225
الجمعة 03 فبراير 2023
الدكتور براء طارق
تطبيقات الاستدامة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي البحرين أنموذجا
الجمعة 03 فبراير 2023

تدخل مملكة البحرين عصر التكنولوجيا والأنظمة الذكية ومنها الذكاء الاصطناعي (AI) بمرحلة متطورة من الاقتدار المعرفي والمهاري وخبرات وطنية واعدة. إذ أصبحت المملكة من رواد التكنولوجيا في العالم وانموذجا للتحول نحو رقمنة الأنشطة المؤسسية في جميع الأجهزة الحكومية وتوفير خدمات واسعة من خلال منصة الحكومة الالكترونية في مملكة البحرين. ويدخل الذكاء الاصطناعي ضمن منظومة التخصصات المتعددة، فهو المجال التكنولوجي القادر على محاكات السلوك البشري والتفكير المنهجي وتوفير إجابات ذكية لتساؤلات معقدة. وساعدت عملية تطور الأداء النوعي للتكنولوجيا الباحثين على تأطير نظرية تحت مسمى الذكاء الاصطناعي. ومن هذا المنطلق، تناغمت منظومات فرعية مع وجود نظرية الذكاء الاصطناعي لدعم عمل الشبكات العصبية الالكترونية وتطوير آليات عمل نظم دعم القرارات وتحويلها من آليات العمل البرمجية العادية الى البرمجة التي تتوافق مع منظومة الذكاء الاصطناعي.

وتأسيسا على ما تقدم، تتسارع وتيرة استدامة تكنولوجيا المعلومات من خلال ادماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في منظومة التكنولوجيا الرقمية على نحو عام. حيث تعزز منظومة الذكاء الاصطناعي دقة تنفيذ الاجراء وسرعة توفير البيانات والمعلومات لمتخذي القرارات فضلا عن فاعلية انجاز احتياجات المواطنين وتلبية توقعاتهم المنشودة.

وتبادر مملكة البحرين في حشد الجهود الوطنية ودول مجلس التعاون لبناء منظومة ذكاء اصطناعي بمعايير عالمية على نحو تتكامل به منظومات وطنية وإقليمية لأغراض التناغم في آليات تبادل المعلومات والبيانات ضمن نسق شبكات الكترونية متناغمة من الناحية الفنية والتشغيلية والبنية التحتية المناسبة لعمل الأنظمة الذكية. ويعد توظيف البرمجيات الذكية احد اهم المداخل التي تتبارى البلدان في العالم للتعبير عن واقع عملي لخدمة حياة الانسان والرفاه المجتمعي. والجدير ذكره، لن تتوقف حدود عمل الاستدامة والتنمية عند حدود القطاع الحكومية وانما تمتد لتشمل تطلعات القطاع الخاص والمختلط وبمكوناته الإدارية والفنية والتكنولوجية على نحو عام.

وتتزامن عملية الدخول في عصر الذكاء الاصطناعي في البحرين مع تطوير واستدامة التشريعات والقوانين والسياسات لحوكمة استخدام الأنظمة الذكية وتوجيهها لتعزيز بواعث التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمواطنة. إذ تؤكد التوجيهات السامية  في المملكة الى تنشئة فكر المواطنة لتطوير وتنمية مساهمات المواطن البحريني في ابداع الفكر البرمجي والمهني ليكون جزء لا يتجزأ من محتوى البرمجة الذكية وصولا الى انجاز جزء جوهري من منظومات الذكاء الاصطناعي ليكون عندئذ ضمن الإنتاج الوطني البحريني وصولا الى الحصول على "منتج في البحرين". واصبح الفضاء الرقمي في البحرين مدعاة لاستخدام التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي ضمن أولويات حوكمة استخدام التكنولوجيا وفقا للمعايير الناظمة للحياة الرقمية. ومن هذا المنطلق، تستوعب استدامة تكنولوجيا المعلومات منظومات فرعية تعزز كفاءة الاستخدام من أصحاب المصلحة والمستفيدين من المواطنين والمقيمين والزائرين.

تناغمت النهضة التكنولوجيا في مملكة البحرين مع توجيه الاستثمارات في مشاريع استراتيجية جوهرية. وفي هذا السياق، تتطلع المملكة الى الاستثمارات في مجالات المدن الذكية وامكانيات استخدام الذكاء الاصطناعي في المحاكم والزراعة والمرور وغيرها1. حيث تتطلع المملكة نحو منجزات واقعية لمتضمنات رؤية البحرين بخصوص معززات التنفيذ الواعدة فضلا عن تبادل الخبرات العالمية وإقامة المؤتمرات والندوات والبحوث والدراسات في مجال الذكاء الاصطناعي والاستدامة التكنولوجية والرقمنة.

تأسيسا على ما تقدم، هناك تزامن متوازي في تقدم مجال الذكاء الاصطناعي واستخدام تكنولوجيا المعلومات والتي اشرت زيادة واضحة في قوة الحوسبة. وقد يترتب على هذه الزيادة في استخدام منظومة الذكاء الاصطناعي الى كلف مالية وبيئية كبيرة، وهذه الكلف تأتي نتيجة طبيعية  لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي بسبب الطاقة اللازمة لإجراء مثل هذه الحسابات. علاوة على التكاليف المالية للأجهزة والطاقة الكهربائة ووقت الحوسبة السحابية ، فإن تشغيل هذه الأجهزة لأسابيع وشهور في كل مرة يمكن أن يترك بصمة كربونية ضخمة.

وفي هذا الاطار ، يعمل العلماء والباحثون في مملكة البحرين على جبهات مختلفة لجعل الذكاء الاصطناعي أكثر استدامة. على سبيل المثال ، نظرًا لأن الكثير من استخدام الطاقة بواسطة نماذج الذكاء الاصطناعي يحدث أثناء ما يسمى بمرحلة "التدريب" ، فإن تقليل الحاجة إلى كميات هائلة من بيانات التدريب يترجم مباشرة إلى توفير الطاقة. هذا مجال يبحث فيه العلماء حاليًا على الصعيدين المحلي والعالمي لتوفير الحلول والاساليب المستحدثة للحد من استهلاك الطاقة ومصادر التخزين اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. ويتضمن أحد الأساليب المستحدثة، اختيار البيانات الأكثر صلة فقط بالتدريب، أو تكييف النماذج الحالية بكفاءة لمهمة جديدة ، مما يقلل بشكل كبير من تكلفة تدريب النموذج. بمعنى آخر ، بدلاً من تدريب نظام الذكاء الاصطناعي على شبكة ضخمة من المعلومات ، قد يختار الباحثون استخدام بيانات مختارة فقط ذات صلة بما يتم استخدام النظام من أجله وهذا يتم من خلال تطبيق واستحداث خوارزميات تقليص البيانات واختيار افضل البيانات ذات التأثير الافضل لتدريب نموذج الذكاء الاصطناعي ودمجها مع خوارزميات تعلم الالة. 

وهناك مجالات عديدة يعمل عليها  الباحثون تتعلق بالحوسبة المتطورة ، والتي تشير إلى الحوسبة أو تخزين البيانات التي يتم إجراؤها عند أو بالقرب من مصدر البيانات.

فضلا عن  أبحاث الذكاء الاصطناعي والتعلم الألي (Machine learning) وتحديدا الحوسبة العصبية المستوحاة من عمل الدماغ البشري، قد استحدث مأخرا تفرع جديد من التعلم الالي مثير لاهتمام الباحثين والعلماء يدعى التعلم العميق (Deep Learning) الذي يقوم على الشبكات العصبية الاصطناعية. عملية التعلم عميقة لأن هيكلية الشبكات العصبية الاصطناعية تتكون مـن سلسلة مدخلات وإخراج وطبقات تعلم مخفية. تحتوي كل طبقة على وحدات تقوم بتحويل بيانات الإدخال إلى معلومات يمكن للطبقة المخفية استخدامها لمهمة تنبؤية معينة. بفضل هذه الهيكلية، يُمكن للجهاز التعلم من خلال معالجة البيانات الخاصة به وتطويرانظمة ذكاء اصطناعي أفضل. من اهم التحديات التي تواجه الباحثين في مجال التعلم العميق هو احتياجها الى كميات كبيرة مـن بيانات التدريب وموارد الحوسبة المتطورة (GPU & TPU) ووقت تدريب أطول. وكحلول مبتكرة لهذه المعظلة, يمكن اختصار عملية التدريب باستخدام تقنية تعرف باسم نقل التعلم (Transfer Learning) و هو أسلوب يطبق المعرفة المكتسبة من حل مشكلة واحدة لمشكلة مختلفة ولكنها ذات صلة.  

بالرغم من إن استخدام الذكاء الاصطناعي يخلق بصمة كربونية كبيرة بشكل متزايد ، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه كجزء من جهود الاستدامة أيضًا ، وقد تم استخدامه بالفعل.

أحد المجالات التي يُتوقع أن يلعب فيها الذكاء الاصطناعي دورًا رئيسا هو استخدام الطاقة. يمكن لتطبيقات الذكاء الاصطناعي أن توازن بين إمداد الكهرباء واحتياجات الطلب في الوقت الفعلي ، مع تحسين استخدام الطاقة وتخزينها لتقليل المعدلات. في مستقبل الطاقة الخضراء ، ستأتي الطاقة المتجددة من مجموعة متنوعة من المصادر ، مثل الشبكات الصغيرة ومزارع الرياح والألواح الشمسية. الطاقة المتولدة من مثل هذه المصادر عرضة للتقلبات غير المؤكدة اعتمادًا على الظروف الجوية السائدة ، على عكس المخرجات الأكثر توقعًا من محطات الغاز أو الفحم.

مع مثل هذه الشبكة العالمية اللامركزية للطاقة ، سيلعب الذكاء الاصطناعي دورًا حاسمًا في إدارة تعقيد نشر الطاقة في المنشآت الصناعية ومباني المكاتب والمنازل وحيثما دعت الحاجة. نظرًا لمناخ العالم غير المستقر والظروف الجوية غير المتوقعة ، فإن تحويل نظام الطاقة الحالي لدينا إلى نظام ذكي يركز على الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى شبكة أكثر مرونة عند حدوث أحداث أرصاد جوية غير متوقعة. ستكون فاعلية الشبكة ومرونتها مطلوبين أيضًا مع نمو الطلب على الكهرباء في الاقتصادات الرقمية المزدهرة في عالم متصل بشكل متزايد. 

وعلى الصعيد المحلي فقد بادرت مملكة البحرين في حشد الجهود الوطنية لبناء منظومة ذكاء اصطناعي بمعايير عالمية على نحو تتكامل به منظومات وطنية وإقليمية لأغراض التناغم في آليات تبادل المعلومات والبيانات ضمن نسق شبكات الكترونية متناغمة من الناحية الفنية والتشغيلية والبنية التحتية المناسبة لعمل الأنظمة الذكية.

ودأبت مملكة البحرين على تنفيذ مرامي رؤية 2030 وتحديدا في مجال توفير افضل الخدمات الالكترونية للمواطن وأصحاب المصلحة في مجال الخدمات المختلفة تلبية لمعايير الرفاه الاجتماعي وحقوق المواطنة التي تقع ضمن مرتكزات البرنامج الحكومي المستدام في مختلف المؤسسات الحكومية في عموم المملكة. إذ كثفت جهودها لدراسة معمقة لدور الذكاء الاصطناعي وتأثيراته الإيجابية على المجالات المختلفة في حياة الفرد والمجتمع.

فضلا عن توكيد دوره في تعزيز متطلبات التنمية المستدامة من خلال التطبيقات التي ترتبط بحاجة التنمية عموما في مملكة البحرين. وفي هذا السياق، نشير الى بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل المراقبة الآلية لجميع أشجار النخيل المنتشرة على مساحة المملكة1. ويعد هذا التحول مدعاة لإجراء البحوث والدراسات المتعلقة بالأمن الغذائي وتحديدا في التنبؤ بكمية الإنتاج المتوقع الحصول عليه من كل نخلة. وتصنف هذه المحاولة ضمن متضمنات أحد مستهدفات التنمية المستدامة التي قدمتها الأمم المتحدة في برنامج ومستهدفات الاستدامة في العالم. والتنمية الاستدامة مشروع بعيد الأمد وليس مشروع مرحلي، حيث دخلت تطبيقات الأنظمة الذكية في تقليل الطاقة الكهربائية التي تستهلكها أنظمة التبريد فضلا عن أنظمة الإشارات المرورية الموجهة بأنظمة الاستشعار الذكية بديلا للطريقة التقليدية، والتي سهلت عملية المرور للمركبات والافراد وقللت من استهلاك الطاقة الكهربائية.

وعموما، هناك العديد من التطبيقات التي ستجد طريقها الى استخدامها في سوق العمل البحريني ومؤسساته المختلفة المدرجة في خطط التنمية المستدامة بإذن الله تعالى.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2023 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية