العدد 6452
الأحد 14 يونيو 2026
آلانْ بَاديُو يعلق على كتاب نادر كاظم "تاريخ الأشياء"
السبت 01 يناير 2022

في إجازة رأس السنة زرت البحرين واقتنيت مجموعة من الكتب. كان كتاب "تاريخ الأشياء" للدكتور نادر كاظم إحداها.

تمكن المبدع د. نادر كاظم في متن هذا الكتاب من نحت قطعة معرفية وتاريخية جديرة بالدراسة من قبل شريحة كبيرة من مثقفي العرب. انتهج الكتاب منهج كتابة التاريخ بجعل شيئا قديما محورا يُدْرَسْ من خلاله التاريخ.

ينتمي كتاب "تاريخ الأشياء" الى جنس من الكتابات تعرف بدراسات "تعبيرات التراث المادي"، أو دراسات "الثقافة المادية". ويمكن تلخيص منهج الدكتور كاظم في تحليل الأشياء بأنه منهج سار عبر ثلاث خطوات أساسية وهي: أولا، النظر في "سياق" الشيء تاريخيا، أي بفهم وقت ظهوره والغرض من إنشائه أو صناعته في مكان ما.
ثانيا، توفير مزيد من التحليل "للقيم" التي ينسبها الناس إلى الشيء خلال المراحل الزمنية المتتالية.
ثالثا، تتبع تنقلات "المعنى" المنتج من الخطابات خلال ذلك الشيء.

ما أعجبني فعلا في "تاريخ الأشياء" أنه كتاب ثري ويصلح ليكون مصدرا لبحوث كثيرة قادمة. في هذه المقالة سأستجلب الفيلسوف الفرنسي آلانْ بَاديُو للقيام بأول أبحاثي مستفيدا من هذا السفر التاريخي للأشياء. سأقوم أولا بتقديم منهج آلانْ بَاديُو ومن ثم إعادة قراءة نصوص نادر كاظم لإنتاج معرفة أخرى غير تلك التي أنتجها الدكتور.

يرى آلانْ بَاديُو أن حياة الإنسان هي حياة مرتبطة بحياة "ذَاتِيّتِهِ" وموته بموت ذاتيته. والذات تمارس عملية "تَذْويتِهَا" أو بداية حياتها الذاتية متى ما قامت بإنتاج "الفهم"، ومتى ما توقفت عملية "التّذْويتِ" يتعطل إنتاج الفهم ومعه تنتهي حياة الذات. يواصل أشهر فلاسفة القارة الأوروبية على قيد الحياة آلانْ بَاديُو شارحا أن الفهم الفلسفي لا ينتج إلا من خلال إنتاج "فهم" جديد مرتبط باكتشاف "الفراغ". رصد الفراغ مرتبط بقدرة الفيلسوف على إلتقاط إشارات تتحدث عن وجود مشكلة في المعرفة حول "وضع" فلسفي معين ذو "حدث" خاص به.   

"الحقيقة" قضية كبيرة عند المفكر الفرنسي. يقول أن القوى الرأسمالية في لحظة توحشها استفادت من لحظة مابعد الحداثة ما بعد البنيوية المتأثرة بالنسبية والقائلة بأن الحقيقة "محلية"، ومن أن الحقيقة هائمة في حقول معاني لغوية يفهمها من ينتمي الى لغة المحليات فقط. عليه فإنه لن يتمكن من هو في الغرب بجهله اللغوي وبمعاني اللغة ورمزيتها المتواجدة في الشرق من أن يحكم على ما يجري في الشرق، ولنفس السبب النسبي لن يتمكن من هو في الشمال من أن يفهم ما يجري في الجنوب.

يقول آلانْ بَاديُو هنا ولهذا الخلل النسبي المتواجد كمفهوم في مابعد البنيوية وفي مابعد الحداثية تتراجع مفردة "الحقيقة" في أدبياتهم وتضيع "الحقيقة" ومعها يضيع الحق والحقوق ويتردد "الكوني" من نصرة "المحلي" تحت ذريعة أنهم قالوا له أنه لا يفهم وعليه فإن الأمر لا يعنيه. لذلك وبالرغم من إطراء آلانْ بَاديُو لِمدارس مابعد البنيوية ومابعد الحداثية إلا إنه يرى بضرورة ترميم سلبياتها.

العثور على "الفراغ" هو خرق في جسد المعرفة عند رؤية ما لم يُرى. لأن لدى آلانْ بَاديُو عند عثور الفيلسوف على الفراغ المتمثل في علاقة اللا علاقات أو الإهتداء إلى وجود مساحة لا تمثله المصطلحات السابقة ولا تعبر عنه هو أمام مشكلة يجب عليه إبرازها.
كل هذا لا يعني أن ذلك الفراغ لم يكن موجودا أو إنه فراغ بلا معلومات. بل يؤكد آلانْ بَاديُو أنه فراغ كان دائما "كامنا" (من الكمون) بوجوده لكن لم تبرق سماء معارفنا الذاتية ببرق يوفر لنا بعض من النور المعرفي لرؤيته.

"الحقيقة" لدى آلانْ بَاديُو موجوده بطبقات كثيرة. كثيرة جدا. وهي ذات مساحة أكبر بكثير من مساحة الفراغ. فهم الفراغ يُمَكّنُنَا من فهم جزء من الحقيقة لا كل الحقيقة. فالحقيقة كونية وهي مشترك كوني يراه عرفاء الفلاسفة الكونيون. ولن يستطيع العارف الفيلسوف المحلي (البحريني على سبيل المثال) من فهم حقيقة الفراغ من خلال محليته بل عليه البحث عن فراغات أخرى تسمح له بتقصي الحقيقة الكونية لكي تحول الى عارف كوني.


تمام مثل الذي في ألمانيا عند إكتشاف العارف الألماني فراغ قد يفهمه وقد يرى جزء من الحقيقة المتكثفة في ذلك الفراغ لكن الذات لن تتمكن من إكمال تذويتها إلا بالتعرف على كامل الحقيقة لأن الحقيقة غشاء يغطي كافة الكون وكل الوجود. عليه فإن الذات لا تكتمل من مجرد فهم محليتها بل تبدأ بالإكتمال بعدما تشرع بالبحث عن فراغات أخرى قد تكون في جغرافيات أخرى لتستطيع الذات من تجميع أجزاء الحقيقة من كل الفراغات ليراها العارف، وبعدها تتمدد الذات لتنضج عندما تتمدد عبر فراغات الكون لربط المحلي بالكوني. فالطريق الى الكونية متعدد عبر تذويت كل ذات لذاتها لكن تبقى الحقيقة الكونية مشترك بشري يراها العارفون الكونيون السالكون في منهج آلانْ بَاديُو المنادي بالحب والجمال الكوني.  

كتاب د. نادر كاظم "تاريخ الأشياء" كان مصدر إلهام كبير مهم. دفعني خطوة الى ممارسة تذويت ذاتي. رأيت كتابه سفرا مليء بالفراغات. كل شيء من أشياء كتاب د. نادر كاظم يتحدث عن فراغ خاص به. فراغ يحتاج الى قراءة الفيلسوف البحريني المحلي، لكي "يتَذَوّت" باكتساب الفهم والأهم باكتساب ذاته عندما تمارس عملية خوض تجربة حياتها.


المحلي البحريني عندما ينطلق لإكتشاف أجزاء من الحقيقية الناطقة عبر ذلك الفراغ في محليته يكتسب حياة ذاته ولكنها لن تكتمل إلا بعد أن يخوض تجربة البحث على فراغات متواجدة في جغرافيات أخرى، ومن ثم يمارس عملية إركام أجزاء الحقائق فوق بعض وحول بعض لكي يتمكن من روية الحقيقة الكونية. هنا يصنع آلانْ بَاديُو ذوات محليات تامات كونيا تنشر الحب بدلا من الماديات.
 

د. محمد الزّكري القضاعي
إخصائي أنثروبولوجية المعارف
خريج معهد الدراسات الإسلامية
من جامعة إكستر البريطانية

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية