العودة إلى "Top Five".. عندما يمرر كريس روك مرآة حياته عبر السينما
يحمل فيلم "Top Five" الذي قدمه الفنان كريس روك عام 2014 قدرًا هائلاً من الإبداع يستحق التوقف عنده والثناء عليه بشدة؛ فقد بدا العمل في هذه العودة السينمائية أفضل بكثير مما جادت به الذاكرة عندما شاهدته لأول مرة في دور العرض قبل أكثر من عقد من الزمان. على غرار العمالقة الذين سبقت أقدامهم هذا المسار في عالم الكوميديا، يتولى روك هنا التحدي الثلاثي الأبرز، فهو الكاتب والمخرج والبطولة المطلقة، بل يمكنك القول إنه يبذل كل جهد ممكن خلف وأمام الكاميرا ليضمن خروج العمل بهذه الصورة.
إن أكثر ما أذهلني عند إعادة المشاهدة هو جودة الحوارات وصمودها أمام اختبار الزمن، إلى جانب تصاعد إيقاع القصة وتماسكها كلما تقدمت الأحداث، مما جعل من هذه السهرة السينمائية تجربة ممتعة بحق.
كي تستوعب أبعاد هذا العمل بالشكل الصحيح، ينبغي أن تدخل عالم الفيلم وأنت مدرك تمامًا أنه ينتمي لفئة السير الذاتية الشبه مكتملة، حيث يجلس روك في مقعد البطولة ليجسد شخصية "أندريه ألين"، وهو كوميديان مشهور باقتراف النكات الجريئة وارتبط اسمه بشخصية كرتونية شهيرة، لكنه يحاول بشتى الطرق التتحول نحو الأدوار الدرامية الجادة. تتبع القصة يومًا واحدًا في حياة أندريه أثناء ترويجه لفيلمه الجديد الذي يجسد فيه دور ثائر هايتي، وخلال هذا اليوم الراكد، ترافقه صحفية جريدة "نيويورك تايمز" وتدعى تشيلسي، والتي تقوم بدورها الفنانة روزاريو داوسون، لإجراء مقابلة صحفية حصرية تغوص في تفاصيل حياته.
تتجلى عبقرية روك كمبدع وفنان شامل وليس مجرد مؤدٍ للكوميديافي كل مشهد من مشاهد الفيلم. ولعل أول دليل على هذا الذكاء هو البناء الدرامي للقصة، إذ كان من الذكاء البالغ اختيار نسق "يوم في حياة الشخصية" لتتبع أندريه وهو يحاول تسويق فيلمه في الوقت الذي تتهاوى فيه مسيرته المهنية. ننتقل مع البطل من محطة إلى أخرى، بدءًا من جولات الترويج وصولاً إلى زيارة عائلته القديمة، وتتميز كل تلك المحطات بجاذبية خاصة. لكن إضافة مقابلة تشيلسي أضفت طبقة سحرية على العمل، حيث سمحت بتدفق المشاهد المرتجعة "الفلاش باك" بشكل طبيعي وسلس، وهي مشاهد جاءت في غاية الطرافة وأعطت في الوقت ذاته عمقًا إنسانيًا لشخصية أندريه.
لقد بنى كريس روك لنفسه منصة تعبيرية مثالية، لم يكتفِ من خلالها بتقديم رؤيته وانطباعاته عن المجتمع الأميركي فحسب، بل فتح من خلالها بابًا على حياته الشخصية. إن أوجه الشبه الأكثر وضوحًا بين شخصية أندريه وروك الحقيقي لا تكمن في رغبتهما المشتركة في تقديم أعمال جادة، بل في معاناتهما الذاتية مع الطلاق، ومعركة التعافي والتخلي عن الإدمان، وفقدان أعضاء من العائلة بسبب الخلافات المادية. ويبلغ الفيلم ذروة قوته وبريقه الكوميدي تحديدًا عندما يتعمق في هذه الثيمات، لأن العمل في تلك اللحظات يكون في أقصى درجات صدقه ووضوحه الذاتي.
يبقى التأثير الأخير الذي استوقفني مليًا عند إعادة مشاهدة الفيلم هو الشعور بمدى قدم تلك الفترة الزمنية، فلربما تكون هذه هي المرة الأولى التي أشعر فيها حقًا أن عام 2014 ينتمي إلى عقد مضى وانقضى. ويرجع جزء كبير من هذا الإحساس إلى الحوار الافتتاحي بين تشيلسي وأندريه، والذي دار حول عدم رضا تشيلسي عن وجود رئيس من أصول أفريقية جزئية، وسط توقعات كليهما بقرب وصول امرأة إلى سدة الرئاسة في المستقبل القريب. لقد كنا نحمل قدرًا كبيرًا من البراءة والسطحية في تلك الأيام، ونعتقد أن التطور والمضي نحو الأمام لن يتوقفا أبدًا. لو صُدر هذا الفيلم اليوم، لكان من المؤكد أن الحوار الرئيسي الذي يفتتح الأحداث لن يحمل كل هذا الأمل والتفاؤل، وهو مجرد مؤشر يوضح أين كنا في عام 2014 وأين أصبنا اليوم في عام 2026.
ختامًا، يستعد كريس روك لإطلاق فيلمه الجديد "مستي جرين" في وقت لاحق من هذا العام، وهو عمل أنصح الجميع بإضافته إلى قوائم المشاهدة؛ فإذا كان هذا الفيلم الجديد يحمل ولو جزءًا بسيطًا من جودة "Top Five"، فنحن بالتأكيد على موعد مع وجبة سينمائية ممتعة للغاية.
