آمن بأن التجارة رسالة وثقة تُبنى عبر الزمن محمود محمود حسين.. تاجر “استشراف المستقبل”
برحيل رجل الأعمال البحريني محمود محمود حسين المحمود رحمه الله في 20 ديسمبر 2023 عن عمر ناهز السابعة والتسعين عامًا، طوت البحرين صفحة أحد رواد القطاع التجاري الذين أسهموا في بناء سمعة التاجر البحريني، ورسخوا قيم الأمانة والجودة والالتزام، في مسيرة امتدت لعقود وشهدت تحولات اقتصادية وتجارية كبرى في المملكة.
العالمية إلى المحلية
ينتمي الراحل إلى جيل الرواد الذين عايشوا مراحل تطور الاقتصاد البحريني، وكان يؤمن بأن التجارة ليست مجرد بيع وشراء، بل رسالة تقوم على الثقة والصدق، وأن المحافظة على سمعة المؤسسة أهم من تحقيق الأرباح السريعة، ومن هذا المنطلق أسس عام 1960 محلات المحمود في شارع ولي العهد، لتكون بداية مرحلة جديدة في تجارة الأدوات المنزلية وأواني المطبخ، حيث كان من أوائل التجار البحرينيين الذين أدخلوا العلامات التجارية العالمية إلى السوق المحلية، وأسهموا في تعريف المستهلك البحريني بمنتجات عالية الجودة تواكب تطور أنماط الحياة.
استدامة الأعمال
امتاز الراحل بقدرته على استشراف المستقبل، فلم يكن رجل أعمال يقف عند حدود نشاط واحد، بل كان يرى أن النجاح الحقيقي يكمن في التكيف مع المتغيرات الاقتصادية وابتكار فرص جديدة، ولذلك وسع أعماله من تجارة الأدوات المنزلية إلى مجالات متعددة، شملت السفر والسياحة والاستثمار العقاري والخدمات، مؤمنا بأن تنوع الأنشطة يعزز استدامة الأعمال ويخدم الاقتصاد الوطني.
وكان من أبرز إنجازاته تأسيس ورئاسة مجلس إدارة شركة البحرين لمواقف السيارات عام 1981، حيث قاد مشروع إنشاء أول موقف سيارات متعدد الطوابق في البحرين، وهو مشروع عكس رؤيته المبكرة لحلول البنية التحتية والخدمات الحضرية التي تحتاجها المملكة مع اتساع الحركة التجارية والعمرانية.
مبتعدا عن الأضواء
شغل عضوية عدد من المؤسسات الاقتصادية والوطنية، فكان عضوًا في غرفة تجارة وصناعة البحرين، وعضوًا في شركة البحرين للسياحة، وعضوًا في مجلس إدارة شركة خدمات مطار البحرين (باس)، إلى جانب عضويته في المجلس البلدي خلال ثمانينات القرن الماضي، مساهمًا بخبرته في دعم التنمية الاقتصادية وتعزيز دور القطاع الخاص، وعرف بابتعاده عن الأضواء، رغم حضوره المؤثر في الأوساط الاقتصادية، وكان يرى أن تداول المسؤولية وتجديد القيادات ضرورة لاستمرار المؤسسات، كما كان من المؤمنين بأن مستقبل البحرين الاقتصادي يرتبط بالانفتاح على الأسواق الإقليمية، وقد عبّر مبكرًا عن تفاؤله بالمردود الاقتصادي لجسر الملك فهد، معتبرًا أنه سيفتح أسواقًا جديدة أمام التجار البحرينيين، داعيًا رجال الأعمال الشباب إلى الابتكار وعدم الاكتفاء بتكرار المشاريع التقليدية، لأن المنافسة الحقيقية تقوم على الأفكار الجديدة لا على تقليد الآخرين.
إعداد القيادات الجديدة
وفي سنوات عطائه الأخيرة بدأ بتسليم مسؤولياته التجارية إلى الجيل التالي من العائلة، مؤكدًا أن استدامة المؤسسات تتحقق بنقل الخبرة، وإعداد القيادات الجديدة، والمحافظة على المبادئ التي قامت عليها التجارة البحرينية، وفي مقدمتها الأمانة، والالتزام، واحترام العميل.
ظل إرث الراحل المهني حاضرًا في ذاكرة القطاع الخاص البحريني، بوصفه واحدًا من رجال الأعمال الذين جمعوا بين الرؤية الاقتصادية، والعمل المؤسسي، والأخلاق التجارية، وأسهموا في ترسيخ مكانة البحرين مركزًا تجاريًا عريقًا، لتبقى بصماته شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ الاقتصاد الوطني.
