+A
A-

كيف يعيد المسافرون رسم خريطة السياحة العالمية؟

  • أكثر من 100 مليون ليلة حُجزت في فنادق تحمل شهادات استدامة خلال 2025

  • 85 % مــن المسافريـن يعتبرون السفر المستدام مهمًّا

  • 43 % يفضلـون تجنـب الوجهات المزدحمة

  • 74 % يـأخـذون مخــاطــر الطقس المتطرف في الاعتبار عند التخطيط للسفر

لم يعد اختيار وجهة السفر في عام 2026 يعتمد فقط على تكلفة الرحلة أو مستوى الخدمات بل أصبح يرتبط أيضًا بتأثيرها البيئي والاجتماعي فمع تصاعد آثار التغير المناخي وتزايد الازدحام في الوجهات السياحية الشهيرة وارتفاع وعي المسافرين بدأت صناعة السياحة تشهد تحولاً تدريجيًّا من التركيز على زيادة أعداد الزوار إلى تقديم تجارب أكثر استدامة تحقق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية الموارد الطبيعية والثقافية.
ويعكس هذا التحول تغيرًا واضحًا في سلوك المسافرين فوفقًا لأحدث دراسة صادرة عن Booking.com وشملت أكثر من 32 ألف مشارك في 35 دولة يرى 85 % من المسافرين أن السفر المستدام يمثل عاملاً مهمًّا في قراراتهم في أعلى نسبة يسجلها الاستطلاع منذ إطلاقه قبل نحو عشر سنوات ويؤشر ذلك إلى أن الاستدامة لم تعد خيارًا إضافيًّا بل أصبحت عنصرًا مؤثرًا في تنافسية الوجهات السياحية.

من السياحة الجماعية إلى السياحة المسؤولة
لم يكن التحول نحو السفر المستدام نتيجة عامل واحد بل جاء استجابة لتغيرات متسارعة شهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة فالتغيرات المناخية دفعت كثيرًا من المسافرين إلى إعادة النظر في توقيت رحلاتهم ووجهاتهم بينما ساهمت ظاهرة الازدحام السياحي في البحث عن تجارب أكثر هدوءًا وأصالة.
وتشير بيانات Booking.com إلى أن 74 % من المسافرين يأخذون مخاطر الطقس المتطرف في الاعتبار عند التخطيط لرحلاتهم فيما يفضل 43 % تجنب الوجهات المزدحمة ويخطط 42 % للسفر خارج مواسم الذروة وتعكس هذه الأرقام تحولاً في مفهوم جودة الرحلة إذ لم يعد الهدف زيارة أكبر عدد من المعالم في وقت قصير بل الاستمتاع بتجربة أكثر راحة مع تقليل التأثير على البيئة والمجتمع المحلي.
كما توسع مفهوم الاستدامة ليشمل دعم الاقتصاد المحلي من خلال الإقامة في منشآت محلية وشراء المنتجات الوطنية والمشاركة في الأنشطة الثقافية والتراثية بما يحقق توزيعًا أوسع للعوائد السياحية ولم تعد هذه الممارسات مجرد سلوكيات فردية بل أصبحت جزءًا من توقعات شريحة متنامية من المسافرين خصوصًا الأجيال الشابة التي تنظر إلى السفر بوصفه وسيلة لاكتشاف الثقافات وليس مجرد زيارة للمعالم السياحية ومن منظور اقتصادي يعكس هذا التحول انتقال المنافسة بين الوجهات من التركيز على الكم إلى التركيز على القيمة، إذ أصبحت جودة التجربة والاستدامة من العوامل التي تحدد قدرة الوجهة على جذب الزوار والمحافظة على جاذبيتها على المدى الطويل.

خريطة سياحية جديدة
لم يقتصر تأثير الاستدامة على سلوك المسافرين بل امتد إلى إعادة رسم خريطة الحركة السياحية حول العالم فقد بدأت الوجهات وشركات السفر في تشجيع توزيع الرحلات على مدار العام بدلاً من تركزها في مواسم محددة بما يخفف الضغط على البنية التحتية والمواقع الطبيعية والتراثية ويمنح الزوار تجربة أكثر جودة.
وفي الوقت نفسه دفعت موجات الحر المتكررة في عدد من الوجهات التقليدية إلى تنامي الاهتمام بالمناطق ذات المناخ المعتدل خصوصًا في شمال أوروبا بينما برز مفهوم “السفر البطيء” (Slow Travel) الذي يقوم على قضاء فترة أطول في وجهة واحدة بدلاً من التنقل السريع بين عدة مدن ويمنح هذا النمط المسافرين فرصة للتفاعل مع الثقافة المحلية وفي الوقت نفسه يقلل من الانبعاثات الناتجة عن كثرة وسائل النقل ولا تقتصر أهمية هذا التحول على الجانب البيئي بل تحمل أبعادًا اقتصادية واضحة فكل ليلة إضافية يقضيها السائح تعني زيادة الإنفاق على الإقامة والمطاعم ووسائل النقل والأنشطة الترفيهية وهو ما يرفع العائد الاقتصادي من السائح الواحد لذلك بدأت العديد من الدول في إعادة صياغة استراتيجياتها السياحية لتركز على رفع متوسط مدة الإقامة ومتوسط الإنفاق بدلاً من الاعتماد على زيادة أعداد الزوار وحدها.
وتشير هذه الاتجاهات إلى أن السياحة العالمية تدخل مرحلة جديدة يصبح فيها نجاح الوجهة مرتبطًا بقدرتها على تقديم تجربة متكاملة تحقق التوازن بين احتياجات الزائر ومصالح المجتمع المحلي والحفاظ على الموارد الطبيعية والثقافية وهو ما يجعل الاستدامة اليوم أحد أهم محركات التنافس في القطاع السياحي العالمي.

التكنولوجيا تقود التحول
بالتوازي مع تغير سلوك المسافرين أصبحت التكنولوجيا أحد أهم محركات السفر المستدام فمنصات الحجز العالمية باتت تتيح للمستخدمين التعرف على ممارسات الفنادق البيئية بينما تساعد تطبيقات الذكاء الاصطناعي على اقتراح مسارات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود وتقليل الانبعاثات فضلاً عن تسهيل الوصول إلى خيارات إقامة ونقل أكثر استدامة.
كما اتجهت الفنادق إلى الاستثمار في أنظمة إدارة الطاقة والمياه والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة وتقليل استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام استجابةً للطلب المتزايد من المسافرين ويؤكد هذا التوجه تجاوز عدد الليالي المحجوزة في منشآت تحمل شهادات استدامة معترف بها 100 مليون ليلة خلال عام 2025 في مؤشر على أن الاستدامة أصبحت عاملًا مؤثرًا في قرارات الحجز.
ورغم هذه التطورات يبقى قطاع الطيران التحدي الأكبر أمام تحقيق أهداف السفر المستدام فوفقًا لتقديرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) سيبلغ إنتاج وقود الطيران المستدام (SAF) نحو 2.4 مليون طن خلال عام 2026 إلا أن هذه الكمية لا تزال تمثل أقل من 1 % من إجمالي استهلاك وقود الطيران العالمي ويعكس ذلك حجم التحديات المرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج ومحدودية الإمدادات ما يجعل التحول الكامل نحو طيران منخفض الانبعاثات مسارًا طويل الأمد يعتمد على الابتكار والاستثمار والسياسات الحكومية.

الاستدامة استثمار في القدرة التنافسية
لم تعد الاستدامة تعد تكلفة إضافية على القطاع السياحي بل أصبحت استثمارًا يعزز القدرة التنافسية للوجهات فمع تزايد اهتمام المسافرين بالتجارب الأصيلة والمسؤولة باتت الوجهات التي تحافظ على مواردها الطبيعية وتراثها الثقافي أكثر قدرة على جذب الزوار وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.
وتشير بيانات المجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC) إلى أن القطاع أسهم بنحو 10 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2024 لكنه في الوقت نفسه مسؤول عن نحو 7.3 % من انبعاثات الغازات الدفيئة ويؤكد ذلك أن مستقبل السياحة لن يعتمد على التوسع في أعداد الزوار فحسب بل على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية.
ومن هنا تتجه العديد من الدول إلى التركيز على مؤشرات نوعية مثل متوسط مدة الإقامة ومتوسط الإنفاق بدلاً من الاكتفاء بقياس أعداد الوافدين كما تسهم السياحة المستدامة في دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتنشيط الحرف التقليدية وتعزيز الاقتصاد المحلي من خلال تشجيع الزوار على استكشاف الأسواق الشعبية والمطاعم المحلية والفعاليات الثقافية بما يوسع نطاق استفادة المجتمع من النشاط السياحي.

البحرين فرصة لمواكبة التحول العالمي
تتوافق هذه التحولات مع توجهات البحرين الرامية إلى تطوير قطاع سياحي أكثر تنوعًا واستدامة فإلى جانب استهداف زيادة أعداد الزوار تركز الاستراتيجية السياحية للمملكة على رفع متوسط مدة الإقامة ومتوسط الإنفاق وهو ما ينسجم مع الاتجاهات العالمية التي تعطي الأولوية لقيمة السائح الاقتصادية وليس لعدده فقط.
وتملك البحرين عددًا من المقومات التي يمكن أن تعزز مكانتها في هذا المجال من بينها المواقع التراثية والأسواق التقليدية والمتاحف والفعاليات الثقافية والرياضية إضافة إلى مشاريع تطوير المناطق التاريخية التي تسهم في الحفاظ على الهوية العمرانية وتحسين تجربة الزائر كما أن صغر المساحة الجغرافية وسهولة التنقل بين مختلف المواقع يمنحان الزائر فرصة لاكتشاف تجارب متنوعة خلال فترة زمنية قصيرة وهو عنصر ينسجم مع توجهات المسافرين الباحثين عن تجارب متكاملة.
وفي الوقت ذاته يفتح تنامي الاهتمام العالمي بالسياحة المستدامة المجال أمام تطوير منتجات سياحية جديدة مثل الجولات التراثية والسياحة البحرية والتجارب المرتبطة بالحرف التقليدية والثقافة المحلية بما يسهم في تنويع مصادر الدخل السياحي وتعزيز استفادة رواد الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة من نمو القطاع.
تشير التحولات التي يشهدها قطاع السفر إلى أن الاستدامة لم تعد اتجاهًا عابرًا بل أصبحت معيارًا جديدًا لقياس نجاح الوجهات السياحية فالمنافسة العالمية تتجه اليوم نحو تقديم تجارب تحقق قيمة اقتصادية واجتماعية وبيئية في آن واحد من خلال إطالة مدة إقامة السائح، وزيادة إنفاقه والحفاظ على الموارد الطبيعية والثقافية.
وبالنسبة للبحرين فإن مواكبة هذه الاتجاهات تمثل فرصة لتعزيز مكانتها كوجهة تجمع بين التراث والثقافة والفعاليات وجودة الخدمات ومع استمرار الاستثمار في تطوير المنتجات السياحية المستدامة يمكن للمملكة أن تستفيد من التحول الذي تشهده الأسواق العالمية وأن تجذب شريحة متنامية من المسافرين الذين باتوا يبحثون عن تجربة أكثر أصالة ومسؤولية بقدر بحثهم عن وجهة جديدة.