“البلاد” تنشر مرئيات “بيت التجار” قبل عقدين وما تحقق منها على أرض الواقع
الحكومة تترجم مقترحات “الغرفة” ببرامج العمل الوطنية لخدمة قطاعات الأعمال
-
شــراكــة استراتيجيــة وثيقــة تعــزز ركائــز الاقتصــاد الوطنــي
-
تسهيــلات تشريعيــة كبــرى تفتــح أبــواب البحريــن أمــام الاستثمــارات العالميــة
-
تأسيس “صادرات البحريـن” يدفــع المنتجــات الوطنية إلى أسواق جديدة
-
مجلس تنمية المؤسسـات يقـر مبـــادرات نوعية لدعم ريادة الأعمال
-
استراتيجيـــة سياحيــة طموحة تضع البحرين على خريطة السياحة العالمية
شهدت العلاقة التاريخية بين القيادة الرشيدة والقطاع الخاص في مملكة البحرين، ممثلا في غرفة تجارة وصناعة البحرين، محطات مضيئة من التنسيق والتشاور المستمر الذي أسهم بشكل فعال في صياغة السياسات الاقتصادية والتشريعية للمملكة. وتكشف الوثائق التاريخية، ومنها المذكرة المرفوعة إلى صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، في العام 2004، عن رؤية استشرافية من الغرفة تبنتها الحكومة تدريجيا عبر حزمة واسعة من الإصلاحات الهيكلية. وشملت هذه الإصلاحات إطلاق برامج الخصخصة الشاملة، وتطوير بيئة الاستثمار وحماية المستثمرين، وإنشاء منصات وطنية لدعم الصادرات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى صياغة استراتيجية سياحية متكاملة وبناء مشروعات كبرى عززت تنافسية ومكانة البحرين الاقتصادية إقليميا ودوليا.
ومسيرة التنمية المستدامة في مملكة البحرين ترتكز أساسا على الشراكة العميقة والتشاور المتبادل بين الحكومة وغرفة تجارة وصناعة البحرين، التي طالما مثلت صوت الشارع التجاري بأمانة ومهنية عالية أمام القيادة الرشيدة. وقال مراقبون إن القيادة أبدت طوال تاريخ الغرفة ترحيبا واسعا بالآراء والمقترحات المرفوعة إليها، وعملت على دمجها باستمرار ضمن برنامج العمل الحكومي لتعزيز كفاءة الاقتصاد الوطني.
ومن الأمثلة الشاهدة لهذه الشراكة، التي اطلعت عليها “البلاد”، مذكرة تاريخية مرفوعة من أعضاء مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة البحرين إلى صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، في منتصف شهر يوليو من العام 2004، رسمت خريطة طريق شاملة لتطوير الحركة التجارية والاستثمارية في البلاد، وحظيت باستجابة واسعة النطاق من الحكومة التي ترأسها آنذاك رئيس مجلس الوزراء الراحل صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه.
مشروعات التخصيص
وفي طليعة تلك المقترحات التي تضمنتها المذكرة التاريخية، برزت دعوة الغرفة الملحة إلى صياغة برنامج متكامل للخصخصة يدعم دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني ويستند إلى أسس ثابتة، وهو ما ترجمته الحكومة على أرض الواقع بشكل متسارع. وبدأت المملكة أولى خطواتها الفعلية في هذا الاتجاه في العام 2006 من خلال تخصيص محطة الحد للطاقة الكهربائية، لِيَلي ذلك برنامج طموح وواسع شمل تخصيص العديد من الخدمات والمرافق العامة. وأثمرت هذه الجهود توكيل خدمات الإدارة العامة للمرور، مثل الفحص الفني للمركبات ومعاينة الحوادث البسيطة للقطاع الخاص، إلى جانب تخصيص خدمات النقل والخدمات المرتبطة بأعمال البلديات وإسنادها للمكاتب الهندسية الخاصة، بل إن وزارة العدل قامت كذلك بتوكيل باقة من أعمالها وخدماتها لصالح مكاتب المحاماة الخاصة. ولم تقتصر هذه المبادرات على الخصخصة الخدمية فحسب، بل امتدت لتشمل طرح أسهم شركات كبرى تدير مرافق عامة للاكتتاب العام، ومنها شركة ألمنيوم البحرين (البا)، والشركة المشغلة لميناء خليفة بن سلمان “ايه بي إم تيرمينالز”، وشركة عقارات السيف، وشركة “صلة الخليج”، وهو ما أكد استجابة الحكومة التامة لمرئيات القطاع الخاص وسعيها المستمر لتطوير الحركة التجارية.
تحسين البيئة الاستثمارية
وعلاوة على ملف الخصخصة، طالبت الغرفة في مذكرتها بتطوير البيئة الاستثمارية وزيادة القدرة التنافسية للمملكة عبر إصدار قوانين واضحة توفر الضمانات الكافية لحماية رؤوس الأموال وجذب الاستثمارات الأجنبية، مع تأكيد أهمية الحفاظ على انفتاح المجتمع البحريني ومقاومة أي ضغوط تشددية قد تضر بالحركة الاستثمارية وتدفق الرساميل.
وفي هذا السياق، بادرت الحكومة بتنفيذ حزمة واسعة من الإصلاحات التشريعية والتنظيمية، شملت زيادة عدد الأنشطة التجارية التي يُسمح للأجانب بفتح سجلات تجارية فيها بالكامل حتى تغطي الغالبية العظمى من القطاعات، بالإضافة إلى فتح المجال أمام الملكية الأجنبية الحرة للعقارات في العديد من المناطق المحددة. كما التزمت المملكة بالعديد من المعاهدات الدولية لحماية الاستثمارات المتبادلة ومنع الازدواج الضريبي، تزامنا مع إصدار قانون إعادة التنظيم والإفلاس الحديث وقانون سيادة المعلومات الذي يتيح للدول السيادة الكاملة على مراكز البيانات الخاصة بها المقامة على أرض البحرين، ما جعل البيئة الاستثمارية للمملكة نموذجا إقليميا جاذبا للمستثمرين.
وفي ما يتصل بتنظيم سوق العمل الذي شكل هاجسا مستمرا لأصحاب الأعمال، أشارت مذكرة الغرفة إلى أهمية مراعاة المرونة والتدرج في برامج البحرنة والإحلال لضمان عدم تعثر المنشآت التجارية، ولا سيما في قطاعات المقاولات وتجارة التجزئة، مع تأكيد توفير الأيدي العاملة المؤهلة والبديلة قبل فرض نسب الإحلال الكاملة، إذ استجابت الحكومة من خلال التنسيق المستمر لوضع استراتيجيات تدريبية واضحة وإنشاء معاهد متخصصة لرفع مهارات الكوادر الوطنية لتلبية متطلبات السوق الفعلي، مع الحفاظ على مرونة استقدام العمالة اللازمة لضمان استمرار دوران عجلة الإنتاج في مختلف القطاعات الاقتصادية.
دعم الصادرات
وامتدادا لتلك المرئيات البناءة، اقترحت الغرفة في مذكرتها إنشاء مجلس أعلى لدعم الصادرات الوطنية وتوسيع نطاق الاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأميركية. وتجسدت هذه التوصية عمليا في العام 2018 عندما أطلقت الحكومة المبادرة الوطنية الرسمية “صادرات البحرين”، بهدف تمكين وترقية الأعمال والخدمات والمنتجات الوطنية للوصول إلى العالمية. وذكر المسؤولون أن هذه المبادرة حققت نجاحات استثنائية من خلال تقديم حلول متميزة في ائتمان الصادرات وتسهيل وصول المنتجات البحرينية إلى أكثر من 102 من الأسواق العالمية. وتركزت الصادرات الوطنية المدعومة في قطاعات استراتيجية كالنفط الخام، والألمنيوم المصدر للولايات المتحدة الأميركية، والخدمات التمويلية، ومواد البناء، إلى جانب إطلاق برامج نوعية لتدريب رواد الأعمال مثل برنامج “مصدري المستقبل” لضمان استدامة وتنافسية المنتج البحريني في الأسواق الدولية والإقليمية.
دعم “الصغيرة والمتوسطة”
أما على صعيد دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فقد أكدت مذكرة الغرفة للعام 2004 أن هذه المؤسسات تشكل العصب الرئيس للاقتصاد الوطني والحل الواقعي لتوظيف الشباب البحريني، ما يتطلب تيسير سبل تمويلها وتطويرها. وفي خطوة تنظيمية رائدة، قامت الحكومة بتأسيس مجلس تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بهدف توحيد الجهود المشتركة، إذ نجح المجلس في تفعيل ما يزيد على أربعين مبادرة تطويرية استراتيجية. وتضمنت هذه المبادرات تيسير التمويل من خلال تخصيص نسب تمويلية من قبل البنوك التجارية وإطلاق حلول مبتكرة مثل “صندوق الصناديق” المعروف بـ “الواحة”، ومنصات التمويل الجماعي، وحلول مصرفية متخصصة للمرأة المنتجة، فضلا عن تمويل المشتريات العامة وتطوير التصنيف الائتماني للمؤسسات. كما سعى المجلس لتسهيل دخول الأسواق عبر دعم الامتياز التجاري (الفرنشايز) وتخصيص حصص من المناقصات الحكومية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بجانب إطلاق منصة “تجارة” وتيسير إجراءات التأسيس وتفعيل قانون المعاملات المضمونة، علاوة على تنمية المواهب والابتكار من خلال مركز البحرين للابتكار ونقل التكنولوجيا وبرامج حماية الملكية الفكرية.
تطوير القطاع السياحي
وفي الجانب السياحي، الذي أولته الغرفة أهمية قصوى في مرئياتها مطالبة بإيجاد رؤية واضحة وجريئة تدعم التنمية السياحية وتشجع إنشاء الفنادق والمنتجعات الترفيهية وتسريع إصدار قانون السياحة وتأسيس مجلس أعلى للقطاع، تفاعلت الحكومة مباشرة عبر إصدار مرسوم بتأسيس هيئة البحرين للسياحة والمعارض في العام 2015. وفي إطار خطة التعافي الاقتصادي، اعتمدت الهيئة استراتيجية السياحة لمملكة البحرين للأعوام من 2022 إلى 2026، التي ركزت على تنويع المنتجات السياحية وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي وإبراز البحرين كوجهة سياحية عالمية رائدة. (اقرأ الموضوع كاملا بالموقع الإلكتروني).
وارتكزت الاستراتيجية السياحية على سبع ركائز رئيسة هي الواجهات والأنشطة البحرية، وسياحة الاجتماعات والحوافز والمؤتمرات والمعارض، والسياحة الرياضية، والثقافة والآثار والتاريخ، والسياحة والترفيه، والإعلام والأفلام السينمائية، بالإضافة إلى السياحة العلاجية. وبناء على هذه الركائز، خططت المملكة ونفذت مشروعات بنية تحتية سياحية كبرى غيرت وجه القطاع بالكامل، ومن أبرزها مركز البحرين العالمي للمعارض والمؤتمرات، وواجهة الغوص البحرية، وشاطئ خليج البحرين، والواجهة البحرية لساحل قلالي. كما تم إنجاز مشروعات سياحية وترفيهية متطورة تخضع للتحديث المستمر ومنها مشروع “سعادة”، وتطوير المدينة السياحية عبر مشروع بلاج الجزائر، ومسرح الدانة الذي استضاف أولى فعالياته الكبرى بنجاح لافت، إلى جانب منتجع جميرا خليج البحرين، وفندق ومنتجع مانتيس بجزيرة حوار. ورافقت هذه المشروعات حزمة من الفعاليات المبتكرة التي استقطبت الزوار الإقليميين والعالميين مثل ريترو المنامة، وليالي المحرق، ومهرجان ألعاب البحرين.
وتأتي هذه الإنجازات المتتالية لتبرهن بوضوح على أن التوصيات البناءة التي تقدمها غرفة تجارة وصناعة البحرين تجد دائما آذانا صاغية وقلوبا مفتوحة من القيادة الرشيدة والحكومة التي تؤمن بأن الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص هي المحرك الأساسي لتحقيق الرؤى الاقتصادية الطموحة للمملكة وضمان مستقبل اقتصادي زاهر ومستدام لجميع المواطنين.
