+A
A-

مختصون: الأسرة خط الدفاع الأول لحماية الأطفال من مخاطر وسائل التواصل

أعادت التوجهات الأوروبية الرامية إلى فرض قيود على استخدام الأطفال دون سن 13 عامًا لوسائل التواصل الاجتماعي، النقاش حول سبل حماية النشء من مخاطر الفضاء الرقمي، في وقت يؤكد فيه مختصون بحرينيون أن التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وحماية الأطفال يتطلب تكاملًا بين التشريعات، ودور الأسرة، والتوعية المجتمعية.

وتدرس المفوضية الأوروبية وضع ضوابط تحد من وصول الأطفال دون 13 عامًا إلى منصات التواصل الاجتماعي، في إطار جهودها لتعزيز حماية القاصرين من المحتوى غير الملائم والمخاطر الإلكترونية، مع بحث آليات للتحقق من الأعمار وتشديد الرقابة على استخدام المنصات.

ويرى مختصون أن هذه الخطوة تكتسب أهمية متزايدة في ظل ارتفاع معدلات استخدام الأطفال للأجهزة الذكية، وما قد يصاحبها من تعرض للتنمر الإلكتروني أو المحتوى غير المناسب أو الاستغلال الرقمي، مؤكدين أن سن التشريعات وحده لا يكفي ما لم يصاحبه وعي أسري ومجتمعي.

وفي البحرين، تواصل الجهات الرسمية تنفيذ مبادرات وبرامج تستهدف تعزيز ثقافة الاستخدام الآمن للإنترنت، إلى جانب نشر الوعي الرقمي بين الطلبة وأولياء الأمور، بما يسهم في بناء بيئة إلكترونية أكثر أمانًا للأطفال.

تنظيم مطلوب

وأكد الدكتور محسن علي الغريري، رئيس مجلس أمناء مؤسسة مستقرة لـ “البلاد” أن التوجهات الدولية المتزايدة نحو تنظيم استخدام الأطفال لوسائل التواصل والمنصات الرقمية تعكس إدراكًا متناميًا بأن حماية الطفل في العصر الرقمي أصبحت مسؤولية تشاركية تتطلب تكامل الأدوار بين التشريع، والأسرة، والمدرسة، والمجتمع، وشركات التقنية.

وأوضح أن المطلوب ليس حرمان الأطفال من الاستفادة من التكنولوجيا، وإنما توفير بيئة رقمية آمنة تتناسب مع أعمارهم، وتحميهم من المحتوى غير الملائم، والتنمر الإلكتروني، والاستغلال الرقمي، والإفراط في الاستخدام، وغيرها من المخاطر التي قد تؤثر في نموهم النفسي والاجتماعي.

وأشار الغريري إلى أن التشريع يؤدي دورًا محوريًا في تنظيم عمل المنصات الرقمية، من خلال إلزامها بتوفير إعدادات وخصائص تقنية تراعي الفئات العمرية، وتمنع وصول الأطفال إلى بعض الخدمات أو المحتويات التي لا تتناسب مع سنهم، إلى جانب وضع آليات فعالة للتحقق من الأعمار وتعزيز معايير السلامة والخصوصية الرقمية.

وأضاف الغريري أن كثيرًا من دول العالم تتجه اليوم إلى تنظيم هذا الموضوع تشريعيًا، إدراكًا منها بأن الاعتماد على شروط الاستخدام العامة أو الرقابة الأسرية وحدها لم يعد كافيًا في ظل التطور السريع للمنصات وأساليب جذب الأطفال إليها.

ولفت الغريري إلى أن مملكة البحرين تسير بدورها في هذا الاتجاه، حيث سبق أن قُدم اقتراح بقانون من مجلس الشورى في هذا الشأن، وأصبح حاليًا في مرحلة مشروع بقانون، ومن المتوقع أن تتم دراسته خلال الفترة المقبلة، ويتضمن تنظيم استخدام الطفل للمنصات الرقمية وتوفير الحماية المناسبة له.

وشدد الغريري على أن نجاح أي تنظيم تشريعي يظل مرتبطًا برقابة والدية واعية، وتوعية مجتمعية مستمرة، ودور فاعل للمدارس والمؤسسات التربوية، مؤكدًا أن حماية الطفل رقميًا تحتاج إلى منظومة متكاملة توازن بين حقه في الاستفادة من التكنولوجيا وحقه في الحماية من مخاطرها.

سن التشريعات

من جهتها، قالت المختصة النفسية والأسرية ندى نسيم إن التوجه نحو سن تشريعات تحد من استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي يُعد خطوة مهمة لحمايتهم، إلا أن هذه التشريعات وحدها لا تكفي ما لم تستند إلى وعي مجتمعي حقيقي، مؤكدة أن حماية الطفل في العصر الرقمي مسؤولية مشتركة تتطلب تكاتف جهود الأسرة والمدرسة والإعلام ومختلف المؤسسات المجتمعية.

وأضافت أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول من خلال وضع الضوابط ومتابعة الأبناء وتنظيم استخدامهم للأجهزة الذكية، إلا أن العنصر الأهم يتمثل في رفع مستوى وعي الوالدين بالمخاطر النفسية الناجمة عن الاستخدام غير المنضبط لوسائل التواصل، مثل الإدمان الرقمي، والعزلة الاجتماعية، والقلق، واضطرابات النوم، وتأثيرها في النمو الانفعالي وتشكيل الهوية النفسية للطفل، مشيرة إلى أن ارتفاع مستوى وعي الوالدين يعزز قدرتهم على اتخاذ قرارات تربوية سليمة.

وأوضحت أن المدرسة شريك رئيس في هذه المسؤولية، مؤكدة أن دورها لا ينبغي أن يقتصر على توعية الطلبة، بل يجب أن يشمل تأهيل المعلمين والمربين وتمكينهم من فهم التأثيرات النفسية والسلوكية للتقنيات الرقمية، بما يساعدهم على اكتشاف المؤشرات المبكرة والتعامل معها بوعي ومسؤولية.

وأكدت ندى نسيم تأييدها لسن التشريعات التي تحمي الأطفال، لكنها شددت على أن نجاحها لا يقاس بمجرد وجودها، وإنما بمدى وعي القائمين على تنفيذها، وتكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات المجتمعية، معتبرة أن التشريع يوفر الحماية، بينما يصنع الوعي جيلاً قادراً على حماية نفسه واتخاذ قراراته بمسؤولية.