قصة صواريخ الصين.. من تكنولوجيا سوفيتية إلى الردع النووي
أعادت التجربة الصاروخية الاستراتيجية التي أجرتها الصين، يوم 6 يوليو (تموز)، إلى الواجهة قصة واحدة من أهم برامج التسلح في القرن العشرين، وهو البرنامج الذي بدأ بتكنولوجيا سوفيتية نقلها جوزيف ستالين إلى بكين، قبل أن يتحول، خلال عقود قليلة، إلى أحد أكثر البرامج الصاروخية تطوراً في العالم، والقادر اليوم على تهديد أهداف تبعد آلاف الكيلومترات.
بالأمس، أجرت الصين بنجاح تجربة على صاروخ وصفته بـ"الاستراتيجي"، أُطلق من غواصة نووية استراتيجية في المحيط الهادئ. ووفقاً لما أعلنته البحرية الصينية، حمل الصاروخ رأساً حربياً تدريبياً، وأصاب هدفه بدقة، ما أثار ردود فعل متباينة. فبينما أكدت روسيا أن بكين لا تشكل تهديداً للعالم وأن من حقها اختبار صواريخها، حثت اليابان الصين على التراجع عن مثل هذه التجارب، في حين أعرب مسؤولون أميركيون عن قلقهم منها.
فما قصة البرنامج الصاروخي الصيني؟
تعود بدايات البرنامج الصاروخي الصيني إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما شرعت بكين، بدعم تقني من الاتحاد السوفيتي، في تطوير أول صواريخها الباليستية. ومع توالي التجارب خلال سنوات الحرب الباردة، بدأت هذه القدرات تثير قلق المعسكر الغربي، قبل أن تتطور لاحقاً إلى واحدة من أكبر الترسانات الصاروخية في العالم.
وقد طورت الصين خلال حقبة ماو تسي تونغ صاروخ دونغفينغ 1 (Dongfeng 1)، المعروف اختصاراً باسم دي أف 1 (DF-1). وإلى ذلك، برز هذا الصاروخ حينها في إطار التعاون العسكري السوفيتي-الصيني، ففي تلك الفترة، وافق جوزيف ستالين، عقب توقيع معاهدة الصداقة والتحالف والتعاون المشترك، على نقل تكنولوجيا آر 1 (R-1) وآر 2 (R-2) إلى الصين.
حسب التصاميم، مثّل صاروخ "دونغ فينغ 1" نسخة صينية، مصرح ومصادق عليها، من صاروخ آر 2 السوفيتي الذي كان بدوره نسخة مقلدة ومطورة من صاروخ في 2 (V-2) الألماني الذي أنتج خلال الحرب العالمية الثانية. وخلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 1960، جربت الصين لأول مرة هذا الصاروخ الذي امتلك نفس خصائص الصاروخ السوفيتي آر 2. لكن مع تدهور العلاقات السوفيتية الصينية وتزايد حدة الخلافات أثناء حقبة خروتشوف، فضلت جمهورية الصين الشعبية اعتماد طريق آخر ومواصلة تطوير نسخ خاصة بها، ومحلية، من هذه الصواريخ السوفيتية.
صواريخ متوسطة المدى
خلال الستينيات، واصل الصينيون العمل بشكل منفرد على تطوير صاروخ باليستي متوسط المدى. وعلى إثر ذلك، ظهر صاروخ دونغفينغ 2 الذي كان شبيها نوعا ما بصاروخ آر 5 بوبيدا (R-5 Pobeda) السوفيتي. وحسب التصاميم، كان طول هذا الصاروخ 20.6 مترا وبلغ وزنه عند الإطلاق 32 ألف كلغ وزود براس حربي بلغ وزنه 1500 كلغ من المتفجرات. أيضا، بلغ مدى هذا الصاروخ 1050 كلم وهو ما جعل القواعد الأميركية باليابان بمرمى الصواريخ الصينية.
خلال أول تجربة له عام 1962، فشل الصاروخ دونغفينغ 2 عند الإطلاق. ولهذا السبب، عمل الصينيون على تطوير نسخة محسنة منه جربت لأول مرة عام 1966 وبلغ مداها 1250 كلم.
أول صاروخ عابر للقارات بالصين
في أكتوبر (تشرين الأول) 1964، أثارت الصين ذهول العالم عقب إعلانها رسميا إجراء تجربة نووية ناجحة ودخولها للنادي النووي. وعلى إثر ذلك، باشرت بكين بإجراء أبحاث، منذ منتصف الستينيات، للحصول على صواريخ باليستية عابرة للقارات. هكذا، ظهر مشروع الصاروخ دونغفينغ 5 الذي أجريت أولى تجارب الطيران عليه عام 1971 ضمن نطاق مسافات قصيرة ومحددة.
بحلول منتصف مايو (أيار) 1980، أجرت الصين تجربة كاملة على هذا الصاروخ الذي حلق بنجاح نحو جنوب المحيط الهادئ. وحسب التقديرات، بلغ مدى دونغفينغ 5 حوالي 9 آلاف كلم حينها. وعام 1981، دخل هذا الصاروخ الخدمة رسميا لتصبح الصين بذلك خامس دولة بالعالم، بعد كل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا، تمتلك صواريخ عابرة للقارات بالخدمة. لاحقا، طورت الصين نسخا أخرى من هذا الصاروخ. وحسب المصادر الأميركية، يتجاوز مدى بعضها 13 ألف كلم.
