قضايا قانونية | نشر الصور التوثيقية دون إذن... انتهاك للخصوصية
تستقبل “البلاد” مختلف الاستفسارات وطلبات الاستشارة القانونية. وجرى التعاون مع نخبة من المحامين المرموقين الذين تفضلوا بالموافقة على الإجابة عن استفسارات القراء، التي وصلت لبريد معد الزاوية ([email protected]) أو عبر حسابات “البلاد” بمنصات التواصل الاجتماعي. وللسائل ذكر اسمه إن رغب. ومعنا في زاوية اليوم
متى يصبح التصوير بغرض “التوثيق” انتهاكًا للخصوصية؟
- المحامي حسن بن رجب: في عصر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، تحولت الكاميرا من أداة نادرة للتوثيق المناسباتي إلى رفيق يومي لا يفارق الأيادي، ومع هذا الانتشار الهائل، برزت إشكالية قانونية واجتماعية شائكة تدور حول المدى الذي يتحول فيه التصوير بغرض التوثيق أو حسن النية إلى جريمة انتهاك للخصوصية يعاقب عليها القانون.
وقد كان المشرّع البحريني حريصًا كل الحرص على صيانة حرمة الحياة الخاصة التي كفلها الدستور، حيث وضع خطوطًا حمراء واضحة تفصل بين ممارسة الحريات والاعتداء على حريات الآخرين، مؤكدًا أن حريتك في التقاط المشهد تنتهي فورًا عندما تبدأ حرمة الآخرين وحقهم في الأمان، خاصة في ظل تصاعد ظاهرة مقلقة تعكس هوسًا رقميًّا غريبًا بات يجتاح الفضاء الإلكتروني.
وتنطلق الحماية القانونية في مملكة البحرين من المبادئ الدستورية العليا التي نصت صراحة على أن للمساكن وحرمة الحياة الخاصة قدسية لا يجوز انتهاكها، وهو ما تُرجم بشكل رادع في قانون العقوبات البحريني، وتحديدًا في المادة 370 التي تجرم بوضوح أي فعل يمس الحياة الخاصة للأفراد، موضحة أن التصوير أو التسجيل أو نشر المعلومات الشخصية دون إذن مسبق يُعد جريمة كاملة الأركان، ويشمل هذا التجريم حالات تصوير الأشخاص أو تسجيل محادثاتهم دون موافقتهم، أو نشر تفاصيل ووقائع تمس خصوصيتهم على أي منصة رقمية، ناهيك عن تصوير أشخاص في أوضاع غير لائقة.
وهنا يضع القانون قاعدة حاسمة؛ إذ إن مجرد التصوير دون إذن يُعد جريمة بحد ذاته، في حين يصبح النشر أو إعادة النشر مخالفة أشد خطورة وضررًا، لا سيما إذا كانت تلك الوقائع تمس الشرف أو السمعة.
ولعل ما يثير القلق والأسف في الآونة الأخيرة هو تصاعد ظاهرة انتهاك الخصوصية بكاميرات الجوال، حيث بات رصد ضحايا الحوادث، والسيدات والفتيات خلال الأعراس والمناسبات وأثناء التسوق، سلعًا مشاعًا يتم بث مقاطعها عبر مواقع التواصل الاجتماعي في انتهاك صارخ لحقوق وإنسانية الغير، وقد تعدى هذا الأمر خصوصية المكان والإنسان ليصل إلى تصوير أعمال بعض الأشخاص وتفاصيل مهنهم؛ ورغم أن التصوير في الأماكن العامة مسموح به كأصل عام، إلا أن الخروج عن القوانين المشروعة والدخول إلى حرمات الغير وخصوصيته والتعمد في إيذائهم هو السلوك السلبي الذي لا يمكن قبوله أو التغاضي عنه، كونه يتنافى جملة وتفصيلًا مع القواعد القانونية، والدينية، والأخلاقية، والعرفية لمجتمعنا البحريني المترابط.
إن هذا التصوير العشوائي بات يمثّل تصرفًا غير مسؤول وهوسًا لا هدف ولا طائل من ورائه إلا الفضائح والتشهير، حتى وصلنا إلى واقع يفوق المعقول؛ فقد يتعرض شخص ما للضرب المبرح أو لحادث مروري أليم، وبدلاً من أن يجد من يمد له يد العون أو يطلب الشرطة والإسعاف لنجدته، تجد الأغلبية مشغولة بتوجيه عدسات الهواتف نحو جسده الدامي وكأن الأمر تحول إلى مسابقة عالمية للتصوير والسبق الرقمي، في مشهد يخلو من الإنسانية والمروءة.
لقد صار هذا السلوك إدمانًا ونهمًا لدى البعض، فلا يتركون شاردة ولا واردة إلا صوروها لتعزيز صفحاتهم الشخصية، ولم يقتصر ذلك على الأفراح والمناسبات بل امتد لانتهاك حرمة الموتى والمصابين، مما ينتج عنه ترويج للأكاذيب والشائعات التي تضر بسمعة العائلات وتسيء للوطن، بل إن هذا الهوس دفع ببعض الشباب إلى مخاطرة قاتلة بتصوير أنفسهم في أماكن مرتفعة وخطرة لاستعراض الشجاعة المزيفة، لتكون النتيجة في كثير من الأحيان سقوطًا مؤديًا وطامة كبرى.
وأمام هذا الواقع، يفرق القانون البحريني بشكل حاسم بين سلوكين عند توثيق المخالفات أو الحوادث؛ الأول هو التوثيق الموجه حكرًا للجهات الأمنية والقضائية المختصة كدليل إثبات، وهو سلوك وطني مشروع يدخل في باب التعاون مع العدالة ولا يعاقب عليه القانون، أما السلوك الثاني فهو أخذ دور جهات التحقيق ونشر تلك المواد على الفضاء الرقمي للعامة، وهو ما يحول صاحبه فورًا من موثق للمخالفة إلى متهم بالتشهير، انطلاقًا من أن الغاية لا تبرر الوسيلة، وأن رصد الخطأ لا يبيح ارتكاب خطأ آخر بحق الأفراد وعائلاتهم.
لأجل ذلك كله، قامت مملكة البحرين وقيادتها الرشيدة بتجريم من يقوم بتصوير الأشخاص أو الحوادث ونشرها دون أساس قانوني أو مراعاة للخصوصية، وقد حذرت وزارة الداخلية بصرامة من أن العقوبات في مثل هذه الحالات قد تصل إلى السجن لمدة خمس سنوات وغرامة مالية تبلغ خمسة آلاف دينار، خصوصًا إذا صاحب التصوير ابتزاز أو مساس بالوظيفة العامة.
إن هذه الإجراءات الرادعة تدعو جميع أفراد المجتمع إلى وقفة مع الذات لاحترام خصوصيات الآخرين والامتناع عن أي ممارسات قد تعرضهم للمساءلة، فالقانون وُضع لحماية الجميع من الضرر والإساءة، والوعي الفردي هو السياج الحقيقي الذي يضمن أن تظل الكاميرا أداة للبناء والتوثيق المشروع، لا معولاً لهدم السلم المجتمعي واستباحة كرامة الإنسان.
