+A
A-

يوسف زينل يفتح ملفاته لـ “البلاد”: التحكيم في الخليج انتقل من ثقافة هامشية إلى خيار استراتيجي

  • البحرين ليست مفاجأة في التصنيفات..  بل نتيجة مسار تشريعي طويل

  • علاقتي بالقانون بدأت من موسكو.. وأطروحتي عن الاستثمار الأجنبي كانت سابقة لزمانها

  • هرمز مضيق دولي.. وليس قناة تخضع لرسوم العبور

  • التحكيم الإلكتروني والذكاء الاصطناعي غيرا قواعد الممارسة

  • عدم تصديق إيران على قانون البحار لا يعفيها من القانون الدولي العرفي

  • القانون البحري فتح عيني على القانون الدولي الخاص والعام

  • العمل البرلماني أقرب إلى قلبي.. وفي حشاشة جوفي

  • القانون يمنح السياسة الانضباط.. والسياسة تمنح القانون الأفق

  • التحكيم البحريني بحاجة إلى تحديث تشريعي يواكب العصر

من موسكو إلى مالمو ومالطا، ومن قاعات القانون الدولي إلى منصات التحكيم التجاري والبرلمان البحريني، تمتدّ رحلة يوسف زينل ضمن التجارب الخليجية التي جمعت بين الفكر القانوني والممارسة المؤسسية والعمل العام.
في هذا الحوار الخاص مع “البلاد”، يفتح أول أمين عام لمركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي صفحات من مسيرته الممتدة لأكثر من أربعة عقود؛ يتحدث عن بداياته الأكاديمية في الحقبة السوفيتية، وكيف قادته دراسة القانون الدولي إلى التخصص في القانون البحري والتحكيم التجاري الدولي، قبل أن ينتقل إلى صناعة القرار المؤسسي والتشريعي في البحرين.
ويتناول الحوار تحولات التحكيم في الخليج، وموقع البحرين على خارطة مراكز فضّ النزاعات الدولية، إضافة إلى رؤيته للتحديات القانونية الجديدة المرتبطة بالتكنولوجيا والملاحة الدولية، واستعادته لتجربته البرلمانية التي يرى أنها كانت الأقرب إلى وجدانه... إلى نص الحوار:

 من هو يوسف زينل؟ وكيف بدأت رحلتك في القانون والتحكيم؟
ابتدأت علاقتي بالقانون بشكل مباشر عندما التحقت في العام 1971 للدراسة بجامعة الصداقة بين الشعوب باسم باتريس لومومبا بكلية الحقوق في موسكو أثناء الحقبة السوفيتية، وكانت أطروحتي  للحصول على درجة الماجستير في القانون الدولي (وكانت تعادل ليسانس سنة دبلوم عال) آنذاك تتعلق بالاستثمارات الأجنبية، وهذا الموضوع لم يكن مطروقاً في حينه، خصوصا لدى الأوساط السوفيتية التي كانت نتعامل معه بالكثير من الحذر في ظل التوجهات العقائدية الماركسية اللينينية. بعد ذلك عدت إلى الوطن لتقديم ما تيسر من المعارف القانونية التي حصلت عليها من هذه الجامعة، التي قدمت لشعوب العالم الثالث كوادر مؤهلة تساهم في بناء أوطانها التي خرجت للتو من قيود وسيطرة الاستعمار آنذاك. 
وقد شاءت الظروف أن حصلت على فرصة عمل في الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة بالأكاديمية العربية للنقل البحري، وهي إحدى المنظمات المتخصصة للجامعة العربية. أما الارتباط بالقانون البحري فقد حصل بعد التحاقي بالدراسة في الجامعة البحرية العالمية في مدينة مالمو بجنوب السويد في الأعوام 1983 - 1985 للحصول على درجة الماجستير في الإدارة البحرية، التي فتحت عيوني على القانون البحري الدولي الخاص والعام. لذلك لم أتوقف عند هذا الحد، فبعد أن عملت بالأكاديمة محاضرا في مادة القانون البحري والسلامة البحرية لمدة ٤ سنوات وجدت نفسي تواقة لدراسة مستفيضة للقانون البحري الدولي الخاص والعام، لذلك ابتعثت للدراسة في مالطا بمعهد القانون البحري الدولي بشقيه العام والخاص، حيث نلتُ درجة الماجستير للمرة الثانية في القانون البحري الدولي في العام 1990، وقد ارتبطت مسيرتي العلمية - الأكاديمية والعملية بعد التخرج من مالطا بالقانون البحري، حيث تابعت التدريس بالأكاديمية، ثم انتقلت للعمل بشركة الملاحة العربية المتحدة في كل من دبي والكويت، حيث تقلدتُ مناصب مرموقة ومتنوعة، وبعد العمل في الشركة لمدة لا تزيد عن 4 سنوات في كل من دبي والكويت، عدت إلى البحرين بعد اختياري أميناً عاماً لمركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في يناير من العام 1995. 

 أكثر من ثلاثة عقود محكما دوليا منذ العام 1992م، ما الذي تغير في هذا المجال؟
الكثير قد تغير خلال حقبة نهاية الألفية وبداية الألفية الحالية، كان التحكيم في بداياته الأولى في البحرين وسائر دول مجلس التعاون الخليجي، حيث لم تكن هناك تشريعات تنظم التحكيم التجاري بشكل مستقل في سائر دول المجلس، وكانت قوانين المرافعات المدنية تنظم التحكيم في قسم من أقسامها المختلفة، فمثلاً في البحرين صدر في العام 1971 قانون المرافعات المدنية والتجارية وخصص الباب السابع منه للتحكيم (المواد من 223 - 243). 
ولم تكن هناك مراكز تحكيم متخصصة لا في البحرين ولا في بقية دول مجلس التعاون، وللأمانة والتاريخ فقد برزت البحرين كأول دولة أنشأت مركزاً للتحكيم التجاري في العام 1993م (مركز البحرين للتحكيم التجاري الدولي في ديسمبر 1993) ثم أنشأت في دبي ومن ثم في أبوظبي مراكز تحكيم متخصصة في العام 1994، وكانت غرف التجارة والصناعة تتصدى للنزاعات بين الأعضاء وغيرهم عبر لجان التحكيم والتسوية بهذه الغرف آنذاك.
وكانت الثقافة التحكيمية متدنية للغاية، ما كان يستدعي تنظيم المؤتمرات والدورات وورش العمل، بما يساهم في نشر الثقافة التحكيمية في المنطقة. كذلك فقد كانت المحاكم في كل دول مجلس التعاون الخليجي بل والعربي غير صديقة وغير متعاطفة مع التحكيم، عدا التدخل القضائي في إجراءات التحكيم. كل هذه الأمور أصبحت  الآن من الماضي.


ويمكن تلخيص التحولات الكبرى التي شهدتها دول مجلس التعاون الخليجي في مجال التحكيم منذ 1992 على أربعة مستويات:
أولاً - التحول التشريعي: انتقلت معظم دول الخليج من قوانين تحكيم تقليدية مرتبطة بقوانين المرافعات إلى قوانين مستقلة مبنية على قانون الأونسيترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي. (UNCITRAL ModeLaw) وتجدر الإشارة إلى أن البحرين قد أصدرت في العام 1993 أول قانون مستقل للتحكيم يستند إلى القانون النموذجي الأول للتحكيم، الذي صدر عن اليونسترال في العام 1985، بعد ذلك أقرت البحرين قانون التحكيم رقم 9 لسنة 2015 والذي تبنى النموذج بصيغته المعدلة للعام 2006. 
ثانياً – التحول المؤسسي: ظهرت مراكز تحكيم إقليمية متخصصة مثل المركز الخليجي GCCCAC وغرفة البحرين BCDR في البحرين و DIAC في دبي، ADCCAC ثم ADGM-ICC في أبوظبي ثم SCCA في الرياض و QICCA في قطر، وكذلك في سلطنة عمان والكويت.
ثالثاً – التحول الثقافي: انتقل التحكيم من كونه خياراً نادراً تنظر إليه الحكومات والشركات بريبة خاصة بعد تحكيمي أرامكو وأبوظبي، إلى كونه الخيار التعاقدي الافتراضي في العقود التجارية والاستثمارية الكبرى.
رابعاً – التحول التقني: التحكيم الإلكتروني، الجلسات الافتراضية، والذكاء الاصطناعي في إدارة الإجراءات وتحليل الوثائق غيّرت طبيعة الممارسة جذرياً، خصوصا بعد جائحة كوفيد 19.

جمعت بين القانون والتحكيم التجاري والعمل البرلماني.. أيهم أقرب إلى قلبك؟
بالطبع ودون تردد أقول إن العمل البرلماني أقرب إلى قلبي وفي “حشاشة جوفي”.
وللعلم فإنني لم أترك الانتخابات البرلمانية التي جرت في مملكة البحرين إلا وشاركت فيها جميعا منذ العام 2002م مروراً بانتخابات  2006م و2010م و2014م و2018 م لغاية 2022م. لذلك فإنني أعشق العمل البرلماني الذي وجدت فيه ضالتي، والذي يجمع بين السياسة والتشريع والرقابة.
هذه الثلاثية ليست متنافسة بقدر ما هي متكاملة. القانون البحري كان البوابة الأكاديمية والتخصصية، والتحكيم كان الميدان التطبيقي الذي تتجلى فيه المهارة القانونية في حسم النزاعات، أما العمل البرلماني فهو الفضاء الذي يتيح للقانوني أن يصنع القانون لا أن يطبّقه فقط. وكثير من رجال القانون يصفون البرلمان بأنه “الجانب الإبداعي” من المهنة، بينما التحكيم هو “الجانب الحرفي”.

ما أصعب قضية تحكيم خضتها؟ 
عادةً ما يصنّف المحكمون أصعب القضايا وفق ثلاثة معايير:
- التعقيد الفني: القضايا التي تتشابك فيها مسائل قانونية بحرية أو هندسية أو مالية معقدة.
- التعقيد القانوني: تعدد الأطراف، تعدد القوانين الواجبة التطبيق، تنازع الاختصاصات.
- الحساسية السياسية: القضايا التي تشمل أطرافاً سيادية أو شركات حكومية.
في السياق البحريني والخليجي، فإن النزاعات الأصعب تاريخياً كانت في قطاعات المقاولات الكبرى، الطاقة، والشحن البحري بجميع تفريعاته.
وعلى المستوى الشخصي فقد شاركت في قضايا تحكيمية عديدة كمحكم (محكم فرد، رئيس هيئة التحكيم/‏‏‏‏‏‏‏ عضو هيئة التحكيم/‏‏‏‏‏‏‏ ومحاميا لأحد الأطراف) سواء في البحرين أو الإمارات أو في كوريا الجنوبية، وفي غيرها، حيث كانت الأغرب والأصعب هي القضية التي رفعها تاجر بحريني ضد شركة كورية جنوبية معروفة.  
الغرابة في الموضوع أن العقد كان عتيقاً يعود إلى ٢٠ عاماً أو أكثر قبل حدوث النزاع والورقة التي كتبت عليها العقد شبه مهترئة، وتمكنا من إعادة التصوير وتوضيح بنود العقد المكتوبة باللغة الإنجليزية، حيث كان بند التحكيم ينص على أن يكون التحكيم في كوريا الجنوبية وبموجب نظام مركز التحكيم الكوري الجنوبي، وهذا النظام كان ينص على أن يكون التحكيم أمام هيئات التحكيم بهذا المركز باللغة الكورية وأمام محكمين يختارهم المركز بنفسه من الجنسية الكورية الجنوبية (طبعا الوضع قد تغير بعد ذلك ليسمح بالتحكيم بلغات أخرى كالانجليزية).
نهاية المطاف أن هيئة التحكيم ورئيسها كانوا منصفين إلى حد كبير حيث حصل موكلنا على أكثر من 70 % من قيمة المطالبات بمبالغ قيمة والصعوبة كانت تكمن أساسا في اللغة الكورية التي كانت هيئة التحكيم المشكّلة والطرف الكوري يتحدثون بها ويقوم المترجم بالترجمة الفورية إلى اللغة الإنجليزية. وكان علينا أن نوصل مداخلاتنا إلى الطرفين عبر مترجم، ولم نكن على يقين من دقة وسلامة الترجمة من وإلى اللغة الكورية!  
البحرين ومكانتها في التحكيم الدولي

تصدّرت البحرين تقارير دولية متخصصة كبيئة قضائية صديقة للتحكيم.. برأيك ما العوامل التي أوصلت المملكة إلى هذه المكانة، وهل هو إنجاز مرحلي أم نتيجة مسار تشريعي ومؤسسي طويل؟


تصدّرت البحرين في تقارير دولية متخصصة بوصفها بيئة قضائية صديقة للتحكيم (pro-arbitration jurisdiction) وهذا تطور عظيم، وليس مفاجأة، بل تتويج لمسار طويل بدأ بـالخطوات والإجراءات التالية:
1. الانضمام المبكر إلى (اتفاقية نيويورك للعام 1958) بشأن الاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها في أبريل 1988م.
2. إنشاء مركز البحرين للتحكيم التجاري الدولي في ديسمبر 1983 ثم تحول إلى غرفة البحرين لتسوية المنازعات (BCDR-AAA) بالعام 2009م بالشراكة مع الجمعية الأميركية للتحكيم.
3. تبنّي قانون التحكيم رقم 9 للعام 2015 المستند إلى نموذج الأونسيترال للعام 2006.
4. إنشاء (دائرة تنفيذ متخصص) في المحاكم لتنفيذ الأحكام الأجنبية والتحكيمية.
الإنجاز ليس “هدية” بل ثمرة سياسة قضائية واعية ترى في التحكيم رافداً لجاذبية الاستثمار. الموقع الجغرافي البحريني بين الأسواق السعودية والإماراتية – القطرية – الكويتية، يمنحه ميزة تنافسية كـ “محطة محايدة” لفضّ النزاعات.

رفض 92 % من طلبات إلغاء أحكام التحكيم الصادرة: قوة أم تساهل؟

النسبة المرتفعة لرفض طلبات الإلغاء (مؤشر قوة لا تساهل)، شريطة أن تُقرأ في سياقها الصحيح:
- التساهل: يعني قبول أحكام معيبة، وهذا ما لا يحدث؛ لأن المحاكم البحرينية تطبق المعايير المحددة حصرياً في المادة 34 من قانون التحكيم (المطابقة للأونسيترال).
- القوة: تعني أن المحاكم تحترم (مبدأ الفصل بين دور المحكم والقاضي) (principle of minimal curial intervention)، وهو المبدأ الذهبي في الأنظمة القضائية الداعمة للتحكيم.
التدخل القضائي الأدنى هو ما يجعل دولاً مثل سنغافورة وسويسرا وفرنسا في صدارة مراكز التحكيم. النسبة المرتفعة للرفض في البحرين تضعها في هذه الفئة لا في فئة الدول المتساهلة.
7 - ارتفاع عدد طلبات الإبطال مقارنة بسنغافورة وهونغ كونغ.
هذه القراءة تحتاج إلى تفكيك دقيق لتجنّب الخلاصات المضلّلة:
ما لا يعنيه الرقم:
- لا يعني أن أحكام التحكيم في البحرين أقل جودة.
- لا يعني أن النظام القانوني أكثر هشاشه .
ما يعنيه فعلياً:
- حجم نشاط تحكيمي عالٍ: لا يمكن أن تُقدَّم طلبات إبطال إلا إذا كانت هناك أحكام تحكيم تصدر أصلاً، فالرقم مؤشر على (حيوية السوق التحكيمي في البحرين).
- سهولة الوصول إلى القضاء: الإجراءات البحرينية مرنة وغير مكلفة نسبياً، ما يشجع الأطراف الخاسرة على المحاولة.
- ثقافة تقاضٍ ما زالت في طور النضج: بعض الأطراف يستخدم طلب الغاء التحكيم كأداة لتأخير التنفيذ، وهي ظاهرة تواجهها كل المراكز الناشئة.
المعيار الحقيقي ليس (عدد طلبات الإلغاء) بل (نسبة قبولها). ومع رفض 92 % من الطلبات، يصبح الرقم المرتفع للطلبات في الواقع شهادة لصالح النظام لا ضده.
8 - تقييم قانون التحكيم رقم 9 لسنة 2015م
نقاط القوة:
- تبنّي قانون الأونسيترال النموذجي بصيغة 2006 يعني (توافقاً تشريعياً دولياً) يطمئن المستثمرين الأجانب.
- إنشاء دائرة قضائية متخصصة في محكمة التمييز للنظر في طعون التحكيم.
- توسيع نطاق “التحكيم الدولي” بمعايير واضحة.
- اعتماد التدابير الوقتية (interim measures) الصادرة عن هيئات التحكيم.
فجوات تستدعي التحديث:
1. التحكيم الإلكتروني والجلسات الافتراضية: لم يعالجها القانون صراحة، وهي اليوم ضرورة بعد كوفيد 19.
2. تمويل اجراءات التحكيم  من قبل الغير (Third-Party Funding): لا يوجد إطار تنظيمي بمثل هذا التمويل من قبل البنوك ومؤسسات المال، بينما اعتمدته سنغافورة وهونغ كونغ، والدول الغربية.
3. التحكيم في العقود الذكية والعملات المشفرة: فجوة تشريعية صريحة بحاجة الى معالجة تشريعة سريعة.
4. حماية البيانات والسرية: في ظل قوانين حماية البيانات الجديدة (مثل قانون رقم 30/‏‏‏‏‏‏‏2018 البحريني) تحتاج العلاقة بين السرية التحكيمية وحماية البيانات إلى ضبط.
5. التحكيم متعدد الأطراف وضمّ الأطراف الثالثة: (Joinder & Consolidation)
تحتاج معالجة أكثر تفصيلاً.

9. هل تنافس البحرين دبي وأبوظبي؟
السؤال يفترض منافسة صفرية، والواقع أن السوق التحكيمية الخليجية تتسع للجميع، لكن لكلٍ موقعه. حسب التوضيح في الجدول التالي: 

المركز الميزة التنافسية 
دبي(DIAC + DIFC)    حجم القضايا الأكبر، نظامان قانونيان (مدني + كومن لو ، DIFC).
أبوظبي (ADGM)    بيئة كومن لو متكاملة، محاكم ناطقة بالإنجليزية.
البحرين (BCDR)    الحياد، الكلفة الأدنى، التاريخ التشريعي الأطول.
الرياض(SCCA)    حجم السوق السعودية وتدفق القضايا الضخمة.


- موقع البحرين: ليس في منافسة دبي على الحجم، بل في تقديم نموذج التحكيم المحايد منخفض الكلفة عالي الجودة، وهو ما يناسب فئة معينة من النزاعات، خصوصا الإقليمية متوسطة الحجم. ميزتها أيضاً في أن محاكمها مدنية بالأساس فلا تحتاج إلى منطقة حرة بنظام مزدوج.


منذ تأسيسه واتخاذ البحرين مقراً له بالعام 1995، لعب مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون أدواراً تأسيسية في المنظومة القانونية الخليجية.. كيف تقيّم اليوم أثر المركز في بناء ثقافة التحكيم إقليمياً، وما الذي يحتاجه ليستعيد موقعه كمركز رئيسي لفض النزاعات التجارية العابرة للحدود؟ 

مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومقره البحرين منذ 1995، أدى أدواراً تأسيسية:
1. توحيد المرجعية الخليجية: قواعده يمكن أن تكون الإطار المرجعي للنزاعات بين أطراف من دول مجلس التعاون.
2. التدريب والتأهيل: أعداد كبيرة من المحكمين الخليجيين تخرّجوا من برامجه.
3. نشر ثقافة التحكيم: المؤتمرات والإصدارات والمجلات المتخصصة.
4. تنفيذ الأحكام داخل دول المجلس: تستفيد أحكامه من اتفاقيات التعاون القضائي الخليجية.
موقع المركز اليوم: يواجه تحدياً تنافسياً مع المراكز الوطنية الكبرى مثل (DIAC,BCDR, SCCA, ADGM)، ويحتاج إلى (إعادة تموضع) كمركز للنزاعات العابرة للحدود الخليجية تحديداً فهو بحاجه إلى: 
1. تفعيل دوره الإقليمي في مجال التحكيم التجاري وتفعيل اختصاصاته فيما يتعلق بالاتفاقية الأقتصادية الموحدة التي لم تفعل منذ بدء نشاطه في العام 1995م لغاية اليوم.
2. نظام المركز الذي صدر في العام 1993 ولائحة إجراءات التحكيم الخاصة به بحاجة ماسة إلى تعديل وتحديث لتواكب التطورات الحاصلة في مجال التحكيم التجاري الدولي، خصوصا القانون النموذجي للتحكيم وللوساطة (للأونسيترال).
3. الترويج للمركز كونه مركزاً للتحكيم بدلاً من تكثيف الأنشطة التدريبية/‏‏‏ التثقيفية، لكي لايقال إن مركز التحكيم تحول إلى مركز تدريبي.
4. أن تحرص الغرف على تعيين كفاءات قانونية لعضوية مجلس الإدارة قدر الإمكان لأن ذلك ينعكس على أداء مجلس الإدارة وتصديه للموضوعات القانونية/‏‏‏ التحكيمية.
5. عدم النظر إلى المركز كونه وحدة ربحية تجارية بل كونه مؤسسة عدلية تخدم القطاع الخاص في دول المجلس، وأي تطوير له يجب أن يصب في هذا الاتجاه وليس في اتجاه الربحية التجارية على حساب العداله الحقوقية.
6. التفكير في وضع ضوابط صارمة فيما يتعلق بأدوار الأمين العام في تعيين المحكمين في حال فشل الأطراف في تعينهم وكذلك فيما يتعلق بدوره في تعيين رئيس هيئة التحكيم في حال فشل المحكمين في الاتفاق على تعيينه، والأخذ بأفضل الممارسات في العالم في هذا الشأن، ومنح دور أكبر لمجلس الإدارة في الإشراف على أداء الأمين العام عموما وفي الأمور والأدوار التحكيمية خصوصا.

المحور الثالث: مضيق هرمز بين القانون الدولي والسياسة

*  إيران تعد مشروع قانون من 12 بنداً لتنظيم الملاحة في هرمز، هل لهذا المشروع أي سند في القانون الدولي؟ 

مشروع القانون الإيراني المكوّن من 12 بنداً هي محاولة من دولة ساحلية لـ “تنظيم” الملاحة في مضيق دولي وبشكل أحادي، تواجه إشكالية قانونية جوهرية.
مشروع القانون الإيراني المقترح لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز (والذي يشمل بنوداً تفرض رسوماً مالية، وتطلب تصاريح مسبقة، وتمنع عبور سفن دول معينة) لا يستند إلى أي أساس في القانون الدولي المعاصر، بل يمثل خرقاً صريحاً للقواعد المستقرة التي تحكم الممرات المائية الدولية.
ومن الناحية القانونية البحرية البحتة، تفتقر هذه البنود إلى السند الدولي بناءً على المعطيات التالية:
1. طبيعة الممر: مضيق طبيعي دولي وليس قناة اصطناعية
 تحاول طهران في فلسفتها القانونية لمشروع هذا القانون تشبيه مضيق هرمز بقناتي السويس أو بنما لشرعنة فرض رسوم عبور وتفتيش .
الرد في القانون الدولي: هذا القياس باطل قانوناً؛ فالقنوات الاصطناعية هي ممرات محفورة ومصانة ببنية تحتية واستثمارات للدول داخل أراضيها السيادية، وتحكمها اتفاقيات خاصة (مثل اتفاقية القسطنطينية للسويس). أما مضيق هرمز فهو مضيق جغرافي طبيعي دولي يربط بين جزء من أعالي البحار (خليج عمان) وجزء آخر (الخليج العربي)، وبالتالي تسري عليه أحكام المضائق الدولية لا القنوات.
2. (Transit Passage) نظام “المرور العابر”
وفقاً للجزء الثالث من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS 1982)، يخضع مضيق هرمز لنظام “المرور العابر”. 
يعطي هذا النظام الحق لجميع السفن (التجارية والحربية) في العبور السريع والمستمر دون أي عوائق، أو اشتراط الحصول على إذن مسبق، أو دفع رسوم مقابل العبور.
تؤكد المادة (44) من الاتفاقية أنه لا يجوز للدول المشاطئة للمضائق تعليق المرور العابر أو إعاقته لأي سبب.
3. الثغرة التفسيرية الإيرانية والقانون العرفي
 تتحجج إيران دائماً بأنها وقعت على اتفاقية بالعام 1982 ولم تصادق عليها برلمانياً، وبالتالي ترى نفسها غير ملزمة بنظام “المرور العابر”، وتطالب بتطبيق نظام “المرور البريء” الأقدم (وفقاً لاتفاقية جنيف 1958) والذي يمنح الدولة الساحلية سلطات أوسع لحماية أمنها.

الرد القانوني: محكمة العدل الدولية والمجتمع الدولي يستقران على أن “حرية الملاحة في المضايق الدولية” تحولت إلى قانون دولي عرفي 
 ملزم لجميع الدول، سواء صادقت ( Customary International Law ) 
على الاتفاقية أم لم تصادق. كما أن محكمة العدل الدولية أكدت في قضية “مضيق كورفو” الشهيرة أنه لا يحق للدولة الساحلية منع أو اشتراط العبور في المضايق الدولية وقت السلم.
4. عدم جواز فرض الرسوم والتمييز بين السفن
يتضمن المشروع الايراني بنوداً لفرض رسوم عبور (تُجبر على دفعها بعملات مثل اليوان الصيني) ومنع سفن دول معادية.
 تمنع القواعد الدولية فرض أي ضرائب أو رسوم على مجرد “المرور” عبر المياه الإقليمية أو المضايق، إلا إذا كانت مقابل “خدمات محددة قُدمت فعلياً للسفينة” (مثل الإرشاد البحري أو الإنقاذ عند الطلب). كما أن منع سفن دولة معينة يُعد “تمييزاً غير قانوني” يخالف مبدأ حرية التجارة البحرية العالمية.
- موقف الدول الأخرى المطلة والمجتمع الدولي: مضيق هرمز ليس مجرى مائياً إيرانياً خالصاً؛ بل هو ممر مشترك تتقاسم مياهه الإقليمية مع سلطنة عُمان. وبناءً على ذلك:
أي تشريع أحادي الجانب من طرف إيران لإدارة المضيق بالكامل يعد تعدياً على الحقوق السيادية لسلطنة عمان المشاطئة للمضيق. كما يتحرك المجتمع الدولي (من خلال مسودات قرارات في مجلس الأمن تحت الفصل السابع) لاعتبار أي عرقلة للملاحة في هرمز بمثابة تهديد مباشر للسلم والأمن الدوليين، ما يسحب أي شرعية قانونية قد تدعيها طهران في هذا المشروع. 

وعليه، فإن مشروعاً إيرانياً أحادياً من 12 بنداً لتنظيم الملاحة في هرمز لا سند له في القانون الدولي العرفي ولا الاتفاقي، إلا في حدود ما تسمح به المادتان 41 و42 المشار إليها وبشروطهما.

12- الفرق بين “المرور العابر” و “المرور البريء”

الأوجه     Innocent Passage المرور البريء المرور العابر Transit Passage 
النطاق    البحر الإقليمي عموماً    المضائق المستخدمة للملاحة الدولية
الأساس القانوني    المواد 17-26UNCLOS    المواد 37 - 44 UNCLOS 
التعليق    يجوز تعليقه مؤقتاً لأسباب أمنية (م 25/‏‏‏3)    لا يجوز تعليقه إطلاقاً (م 44) 
الغواصات    يجب أن تطفو وترفع علمها    تمر (مغمورة) بوضعها الطبيعي
الطائرات    لا حق طيران    حق التحليق فوق المضيق
السفن الحربية    خلاف فقهي    حق صريح في المرور

لماذا هذا الفرق جوهري في حالة هرمز؟ 
لأن إيران تتمسّك بأن المضيق يجب أن يخضع لنظام المرور البريء (الذي يمنحها صلاحيات تقييدية أوسع)، بينما الموقف القانوني الراسخ دولياً وعند معظم الدول هو أن هرمز (مضيق دولي) يخضع لحق المرور العابر الذي (لا يقبل التعليق ولا الإذن المسبق ولا فرض رسوم).

13- توقيع إيران على UNCLOS دون التصديق.
الموقف الإيراني له ثلاث مستويات  قانونية:
المستوى  الأول – التزام بحسن النية: المادة 18 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969 تلزم الدولة الموقّعة ( بـعدم إفراغ المعاهدة من غرضها وموضوعها) قبل التصديق. أي أن إيران ليست متحررة كلياً من قيود UNCLOS بمجرد عدم التصديق.
المستوى الثاني – القانون الدولي العرفي: كثير من قواعد UNCLOS، وخاصة ما يتعلق بحرية الملاحة وحق المرور العابر، أصبح (قاعدة عرفية ملزمة) لكل الدول حتى غير الأطراف. ومحكمة العدل الدولية أكدت هذا التوجه في أحكام عدة.
المستوى الثالث  – التحفظ التفسيري الإيراني: إيران أصدرت عند التوقيع تفسيراً يقصر حق المرور العابر على الدول الأطراف في الأتفاقية فقط، وهو تفسيرمرفوض من الغالبية العظمى من الدول والفقه الدولي لأنه يخالف الطبيعة الأصلية لحق المرور العابر بوصفه حقاً عاماً.
الخلاصة: الموقف الإيراني هش قانونياً، لأن عدم التصديق لا يعفيها من قواعد القانون العرفي، وتفسيرها التحفظي لا حجية له على الدول الأخرى.

14- هل يمكن عرض ملف هرمز على التحكيم الدولي؟
نظرياً نعم، عملياً صعب جداً. 
والتوضيح على الشكل التالي:
القنوات الممكنة:
1. محكمة العدل الدولية (ICJ): تتطلب موافقة إيران، وهي غير محتملة.
2. المحكمة الدولية لقانون البحار (ITLOS): مختصة بالنزاعات المتعلقة بـ UNCLOS، لكن إيران ليست طرفاً مصدّقاً.
3. التحكيم وفق الملحق السابع من UNCLOS: متاح للدول الأطراف في الاتفاقية فقط.
4. التحكيم الخاص (ad hoc): يحتاج اتفاقاً صريحاً بين الأطراف كافة ، وهو شبه مستحيل من جانب إيران.

من له الصفة القانونية؟
- الدول الساحلية على المضيق: عُمان وإيران (الشريك في المضيق)، الإمارات
( جزئياً) .
- الدول المتضررة: أي دولة علم سفينة تُمنع أو تُعطل ملاحتها.
- الدول المستوردة للنفط، في إطار حماية مصالحها الحيوية.
- مجلس التعاون الخليجي كمنظمة إقليمية معنية مباشرة، ودولها التي تقع على الخليج العربي لها الصفة القانونية بشكل انفرادي أو جماعي .

العائق الأكبر: غياب (رضا إيران) بالاختصاص القضائي، وهو شرط أساسي في كل آليات التسوية القضائية الدولية.

15 - تقييم مشروع القرار البحريني في مجلس الأمن.
تقدّم البحرين بمشروع قرار لحماية حرية الملاحة كخطوة ذكية ومحسوبة قانونياً وسياسياً لأسباب:

1. التدويل وفق آليات الفصل السادس (التسوية السلمية للنزاعات): يضع المسألة في إطار قانوني دولي بدل الإطار الثنائي.
2. التذكير بالقاعدة العرفية: قرار من مجلس الأمن يعيد التأكيد أن حرية الملاحة مصلحة دولية مشتركة وليست مصلحة دولة بعينها.
3. التغطية القانونية للتحركات اللاحقة: أي قرار يصدر يصبح مرجعاً دولياً يستند إليه عند الحاجة.
4. إبراز الموقع البحريني: تتحرك البحرين كصوت خليجي معني مباشرة بالأمن الملاحي.
التحدي: الفيتو الروسي والصيني يحدّ من قدرة المشروع على المرور بصيغته الإلزامية، لكن حتى (بيان رئاسي أو قرار غير ملزم) يحقق جزءاً من الهدف القانوني والسياسي.

16. هرمز قانونياً مقابل قناة  السويس وقناة بنما:
الأوجه     مضيق هرمز    قناة السويس    قناة بنما
الطبيعة    مضيق طبيعي بحري    قناة صناعية    قناة صناعية
النظام القانوني UNCLOS    المرور العابر    اتفاقية القسطنطينية 1888    معاهدة بنما - أميركا 1977 
السيادة     مشتركة (إيران - عمان)    سيادة مصرية كاملة    سيادة بنمية كاملة
الرسوم     لا تجوز    مستحقة على المرور    مستحقة على المرور

تعليق المرور     ممنوع    ممنوع لاتفاقية القسطنطينية     ممنوع

الفرق الجوهري: القنوات الصناعية تخضع لسيادة الدولة التي حفرتها وأقامتها، لكنها التزمت بمعاهدات دولية تكفل حرية المرور. أما المضائق الطبيعية فإن الدولة الساحلية لم “تنشئها” بل وُجدت طبيعياً، ولذلك فإن سلطتها عليها محدودة بطبيعتها ولا تشمل فرض الرسوم أو الإذن المسبق. وعليه، محاولة إيران تنظيم هرمز كأنها قناة ذات سيادة كاملة هو خلط قانوني بين نظامين مختلفين تماماً.

 فترة مجلس النواب

17 - التجربة الأولى بالعام 2002

السياق: الفصل التشريعي الأول 2002 - 2006 جاء بعد الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني (2001) وإعلان التحول من دولة إلى مملكة دستورية. كان برلماناً تأسيسياً بكل المقاييس:
- تأسيس اللوائح الداخلية.
- بناء العلاقة مع الحكومة ومجلس الشورى.
- فتح ملفات تشريعية متراكمة منذ توقف الحياة النيابية.

التجربة الأولى دائماً ما تكون مزيجاً من الحماس والاكتشاف، خصوصا لقانوني مثلي يدخل البرلمان فيجد الفارق بين المرافعة أمام محكمة (التركيز على نص قائم) والعمل التشريعي (إنشاء النص نفسه).

18 - توظيف الخبرة القانونية في لجنة الشؤون التشريعية والقانونية.

لجنة الشؤون التشريعية والقانونية هي العمود الفقري لأي برلمان، لأن كل مشروع قانون يمر عبرها للتدقيق الدستوري والقانوني. والقانوني المحترف فيها يقدّم:

1. مراجعة التوافق الدستوري للمشاريع.
2. تجنّب التعارض بين التشريعات.
3. الصياغة الفنية الدقيقة (وهي مهارة قانونية بحتة).
4. تقدير الآثار التطبيقية وتجنّب الفجوات التي تظهر عند التنفيذ.
5. التوافق مع الالتزامات الدولية (وهنا تحديداً تظهر خبرة المتخصص في القانون الدولي والتحكيم).

19 - أهم قانون أو مقترح في المسيرة البرلمانية

عادة ما يعتزّ البرلماني القانوني بالقوانين التي:
- أرست بنية تحتية تشريعية لقطاع جديد.
- حمت حقاً أساسياً.
- جسّرت فجوة قانونية معروفة.

في السياق البحريني خلال الفصل التشريعي الأول والخامس 2002 - 2006 و2018 - 2022 تعاملتم مع العديد من القوانين المفصلية في مجالات: حماية المنافسة، التجارة، السوق المالي، القضاء والنيابة العامة، القانون البحري، قانون البيئة والإجراءات الجزائية. تعديلات قانون غرفة تجارة وصناعة البحرين وغيرها من التشريعات. الإسهام في أي من هذه يستحق الإبراز.

طبعا الفصل التشريعي الأول كان فصلاً تأسيسياً حيث كان ينتظرنا العديد من المراسيم الملكية بما في ذلك اللوائح الداخلية لمجلس النواب ولمجلس الشورى كل على حدا. وبما أن المراسيم لا يمكن تعديلها فقد عملنا على إجراء تعديلات في بعض المراسيم كاللوائح كما أسلفنا، كذلك فإن موضوع السلطة القضائية وأهمية استقلالية النيابة العامة استقلالاً تاماً عن سلطة وزير العدل، كشخص يمثل الجهاز الإداري (السلطة التنفيذية) كان أمرا ضروريا، ولي الشرف أن أكون أحد المتبنين للتعديل المقترح بحيث لا يكون للوزير أي دور في أعمال النيابة العامة. 
وقد لاقى التعديل الترحيب والتشجيع من قبل الجهات العدلية والنيابة العامة برئاسة الشيخ جابر آل خليفة رحمه الله. 
كما أنني عملت بحماس شديد مع زملائي النواب لإقرار المراسيم والقوانين المتعلقة بإنشاء المؤسسات العامة لاستكمال أطر الهيئات الخاصة بالملكية الدستورية، مثل المحكمة الدستورية، النيابة العامة، هيئة الرقابة المالية والادارية، هيئة المناقصات والمزايدات وغيرها. وكوني متخصصا في القانون البحري العام والخاص، فقد كان لي شرف المشاركة في المداولات التي جرت لمناقشة وإقرار مشروع القانون البحري وقانون البيئة، حيث كان التنسيق مع اللجنة المختصة بالمجلس ووزير الطاقة والبيئة لإخراج القانونين إلى النور. 


20. الفجوات التشريعية في منظومة التحكيم البحرينية
من منظور قانوني محايد، الفجوات الأبرز التي يمكن لبرلماني متخصص في التحكيم العمل عليها:

1. قانون موحد للتحكيم في النزاعات الإدارية (نزاعات العقود الحكومية).
2. تنظيم تمويل اجراءات التحكيم من قبل الغير (Third-Party Funding).
3. الإطار القانوني للوسيط (Mediation) بشكل يتكامل مع التحكيم.
4. حوكمة مهنة المحكم: شروط القيد، الأخلاقيات، المسؤولية المدنية للمحكم.
5. التحكيم في قضايا الأسرة والأحوال الشخصية: نطاقه وحدوده.
6. التحكيم الإلكتروني: تنظيم مستقل أو تعديلات على قانون 9/‏‏‏2015.
7. حماية السرية التحكيمية بصيغة تشريعية صريحة لا اتفاقية فقط.
8. التحكيم في المنازعات العمالية وتفعيل مواد قانون العمل بهذا الشأن واجراء التعديلات المطلوبة.


21-  العودة إلى البرلمان بالعام 2018

ما يختلف بين 2002 و2018:
- النضج المؤسسي: البرلمان بالعام 2018 برلمان مستقر له تقاليد وذاكرة تشريعية، بخلاف البرلمان التأسيسي.
- التحديات الاقتصادية: ضغط الإصلاح المالي وضريبة القيمة المضافة.
- الملف الإقليمي: التوترات مع إيران، الأزمة القطرية (2017 - 2021)، الملف اليمني.
- التحول الرقمي: تشريعات حماية البيانات، الأصول المشفرة، الذكاء الاصطناعي.
- العلاقة مع المؤسسات الدولية: الإصلاحات المرتبطة بمجموعة العمل المالي (FATF) والاتفاقيات التجارية. 
العودة بعد غياب طويل تمنح صاحبها (منظوراً مقارناً) نادراً، فهو يرى ما تطور وما لم يتطور، وما تحقق من وعود سابقة وما لم يتحقق.

22 - للجامع بين العمل القانوني والسياسي
نصائح ذات قيمة مهنية:
أولاً – الفصل الأخلاقي: القانوني يخدم موكله بأمانة، والسياسي يخدم الناخب بأمانة، وقد تتعارض المصلحتان. الفصل الذهني والأخلاقي بين الدورين ليس ترفاً بل ضرورة.

ثانياً – استثمار التكامل: القانون يمنح السياسة الانضباط والدقة، والسياسة تمنح القانون الأفق والإحساس بالواقع الاجتماعي. المشرّع القانوني يكتب نصاً أفضل لأنه يعرف كيف ستُطبَّق النصوص.

ثالثاً – الحذر من تضارب المصالح: ملف موكلٍ مع جهة حكومية لا يجوز أن يلتقي مع موقع تشريعي يراقب تلك الجهة. إعلان التضارب والانسحاب من التصويت ممارسة مهنية لازمة.
رابعاً – الاستمرار في التعلّم: كلا الميدانين يتطور بسرعة. القانوني الذي توقف عند نصوص العقد الماضي والسياسي الذي توقف عند خطاب العقد الماضي كلاهما خارج اللعبة.
خامساً – التواضع المعرفي: البرلمان مدرسة في التواضع؛ القانوني المتمكّن في تخصصه قد يجد نفسه يصوّت على ميزانية الزراعة أو سياسة الإسكان، فيتعلم أن المعرفة المتخصصة لا تعفي من الحاجة إلى الإصغاء للخبراء الآخرين.