+A
A-

تحليل اقتصادي: لماذا تتبع البنوك المركزية الخليجية قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي؟

  • ربط العملات الخليجية بالدولار يجعل قرارات الفيدرالي مؤثرة مباشرة
  • استقرار سعر الصرف يتطلب مواءمة الفائدة مع السياسة الأميركية
  • اختلاف الفائدة عن الدولار قد يدفع رؤوس الأموال للخارج
  • البنوك الخليجية توازن بين الاستقلالية المحلية واستقرار العملة

أبقت البنوك المركزية الخليجية الرئيسة أسعار الفائدة دون تغيير عقب قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي تثبيت سعر الفائدة الأساسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.50 % و3.75 %. وفي البحرين، حافظ مصرف البحرين المركزي على سعر الفائدة على ودائع الليلة الواحدة عند 4.25 %، بينما ثبت مصرف الإمارات المركزي سعر الأساس على تسهيلات الإيداع لليلة واحدة عند 3.65 %، وأبقى مصرف قطر المركزي سعر إعادة الشراء عند 4.10 % وسعر الإقراض عند 4.35 % وسعر الإيداع عند 3.85 %.

وتكتسب هذه القرارات أهمية خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي يتجاوز حجمها مجتمعة 2.3 تريليون دولار، فيما تدير البنوك الخليجية أصولاً مصرفية تتجاوز 4 تريليونات دولار، الأمر الذي يجعل استقرار السياسات النقدية عاملاً محورياً في دعم النمو الاقتصادي وحماية الاستقرار المالي.

أولاً: ارتباط العملات الخليجية بالدولار الأميركي

يعد السبب الرئيس وراء متابعة البنوك المركزية الخليجية لقرارات الفيدرالي الأميركي هو نظام ربط العملات الوطنية بالدولار الأميركي.

فالدينار البحريني والريال القطري والدرهم الإماراتي ترتبط جميعها بالدولار بأسعار صرف شبه ثابتة منذ عقود. ويهدف هذا الربط إلى توفير الاستقرار النقدي وتعزيز الثقة بالعملات المحلية وتسهيل التجارة والاستثمار، خصوصاً أن النفط والغاز – المصدر الرئيسي للإيرادات الحكومية الخليجية – يتم تسعيرهما عالمياً بالدولار.

وتشير تقديرات المؤسسات المالية الدولية إلى أن أكثر من 80 % من الصادرات الخليجية يتم تسعيرها بالدولار الأميركي، كما تحتفظ البنوك المركزية الخليجية بجزء كبير من احتياطياتها الأجنبية بالدولار، ما يجعل استقرار العلاقة مع العملة الأميركية أولوية استراتيجية.

وفي ظل هذا النظام، تصبح قدرة البنوك المركزية الخليجية على اتباع سياسة نقدية مستقلة محدودة نسبياً، إذ إن وجود فارق كبير بين أسعار الفائدة المحلية والأميركية قد يؤدي إلى تدفقات مالية تؤثر على استقرار سعر الصرف.

ثانياً: حماية الاستقرار المالي ومنع خروج رؤوس الأموال

عندما يرفع الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة بينما تبقي دولة مرتبطة بالدولار على أسعار فائدة منخفضة، تصبح الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية للمستثمرين مقارنة بالأصول المحلية.

وفي هذه الحالة قد تتجه رؤوس الأموال نحو الأسواق الأميركية للاستفادة من العوائد الأعلى، مما يفرض ضغوطاً على احتياطيات النقد الأجنبي وعلى استقرار النظام المالي المحلي. لذلك تميل البنوك المركزية الخليجية إلى التحرك في الاتجاه نفسه الذي يتبعه الفيدرالي، سواء بالرفع أو الخفض أو التثبيت.

وتزداد أهمية هذا العامل في منطقة تمتلك صناديق ثروة سيادية تتجاوز أصولها 4 تريليونات دولار، وتستقطب سنوياً عشرات المليارات من الدولارات من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

ثالثاً: الحفاظ على مصداقية نظام سعر الصرف

يمثل استقرار سعر الصرف أحد أهم أهداف السياسة النقدية الخليجية. ومن أجل الحفاظ على هذا الاستقرار تحتاج البنوك المركزية إلى مواءمة سياساتها النقدية مع السياسة الأميركية.

فأي اختلاف كبير ومستمر في أسعار الفائدة قد يدفع الأسواق إلى التشكيك في قدرة السلطات النقدية على الحفاظ على سعر الصرف الثابت، وهو ما قد يرفع تكاليف الدفاع عن العملة ويؤثر على ثقة المستثمرين.

وقد أثبتت تجربة العقود الأربعة الماضية أن ربط العملات الخليجية بالدولار أسهم في الحد من تقلبات أسعار الصرف رغم الأزمات المالية العالمية المتعاقبة، بدءاً من أزمة 2008 وصولاً إلى جائحة كورونا والتقلبات الجيوسياسية الأخيرة.

رابعاً: الاقتصاد الخليجي أكثر انفتاحاً على الأسواق العالمية

تعتمد اقتصادات الخليج بصورة كبيرة على التدفقات التجارية والمالية الخارجية، كما ترتبط بنوكها وأسواقها المالية ارتباطاً وثيقاً بالنظام المالي العالمي الذي يشكل الدولار الأميركي عموده الفقري.

ويبلغ حجم التجارة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي أكثر من 1.5 تريليون دولار سنوياً، فيما تتجاوز الاستثمارات الخليجية الخارجية مئات المليارات من الدولارات، وهو ما يجعل الاستقرار النقدي عاملاً أساسياً لاستمرار النشاط الاقتصادي والتجاري.

ولذلك فإن التوافق مع السياسة النقدية الأميركية يساعد على تقليل التقلبات المالية وتوفير بيئة أكثر استقراراً للقطاع المصرفي والشركات والمستثمرين.

خامساً: هل يعني ذلك غياب الاستقلالية النقدية؟

رغم أن أسعار الفائدة الخليجية تتحرك غالباً بالتوازي مع أسعار الفائدة الأميركية، إلا أن ذلك لا يعني غياب الدور المحلي للبنوك المركزية.

فالمصارف المركزية الخليجية تمتلك أدوات أخرى للتأثير في النشاط الاقتصادي والسيولة المصرفية، مثل:

نسب الاحتياطي الإلزامي.

عمليات السوق المفتوحة.

إدارة السيولة المصرفية.

الرقابة الاحترازية على القطاع المالي.

أدوات التمويل الموجهة لبعض القطاعات الاقتصادية.

لكن تبقى أسعار الفائدة الرئيسية مرتبطة بدرجة كبيرة بالسياسة النقدية الأميركية طالما استمر ربط العملات الخليجية بالدولار.

ما الذي تعنيه القرارات الأخيرة؟

قرار البنوك المركزية الخليجية تثبيت أسعار الفائدة لم يكن مفاجئاً، بل جاء متسقاً مع قرار الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. إلا أن التطور الأهم يتمثل في التغير الواضح في توجهات الفيدرالي نفسه.

فالتوقعات الجديدة تشير إلى أن عدداً متزايداً من أعضاء الفيدرالي باتوا يتوقعون رفع أسعار الفائدة مستقبلاً نتيجة استمرار الضغوط التضخمية في الاقتصاد الأميركي، كما أن الإدارة الجديدة برئاسة كيفن وارش أزالت الإشارات السابقة التي كانت تمهد لخفض الفائدة.

وهذا يعني أن البنوك المركزية الخليجية قد تجد نفسها خلال الفترة المقبلة أمام بيئة نقدية أكثر تشدداً مما كان متوقعاً في بداية العام، وهو ما قد ينعكس على تكلفة الاقتراض للأفراد والشركات، وعلى وتيرة النمو الائتماني والاستثماري في المنطقة.