+A
A-

محامون لـ “البلاد”: المحاماة منبر للعدالة ورسالة تتجدد مع الزمن

تُعدّ مهنة المحاماة إحدى الركائز الأساسية في ترسيخ العدالة وسيادة القانون، فهي الضمانة المهنية لحماية الحقوق وصون الحريات، وجسر يربط بين الأفراد ومنظومة القضاء، وفي مملكة البحرين، تحظى المحاماة بمكانة رفيعة ودعم مؤسسي يعكس الإيمان بدورها المحوري في تعزيز دولة القانون والمؤسسات. ويأتي يوم المحامي البحريني ليجسد هذا التقدير المهني، ويُسلّط الضوء على إسهامات المحامين في خدمة العدالة والدفاع عن الحقوق، إلى جانب ما تمثله المهنة من رسالة أخلاقية وإنسانية تتجاوز حدود الترافع إلى المشاركة الفاعلة في بناء مجتمع أكثر إنصافا واستقرارا، كما يُعد هذا اليوم مناسبة لتكريم الجهود المهنية المتواصلة، واستحضار قيم النزاهة والالتزام التي تقوم عليها رسالة المحاماة في مسيرة التطور القانوني في البحرين.

ربيع: شخصية مؤثرة
وفي هذا الصدد، أكد المحامي جلال ربيع أن المحاماة رسالة قوامها الأمانة والصدق، مبينا أنه يتطلب فيها توفر منظومة متكاملة من الصفات والمهارات الأساسية، في مقدمتها النزاهة، والأمانة، والإخلاص في العمل، إلى جانب شغف المحامي الدؤوب بالقراءة والاطلاع المستمر في الكتب القانونية وشروح القانون والمستجدات والأحكام القضائية.
وأضاف أنه إلى جانب التميز الأكاديمي، تبرز أهمية “الكاريزما” لدى المحامي وقوة الشخصية، والقدرة العالية على الإقناع والربط المنطقي بين الأمور بذكاء وفطنة وسرعة بديهة، مؤكدا أن المحامي المعاصر لا غنى له عن الثقافة العامة الواسعة، والدراية العميقة بآليات العمل التجاري، وذلك حتى يكون قادرا على مواكبة متطلبات العمل القانوني في القطاع التجاري.

الرياشي: وعي قانوني
من جانبها، أوضحت المحامية الدكتورة ندى الرياشي أن مستوى الوعي القانوني لدى أفراد المجتمع البحريني يشهد تطورا ملحوظا، في ظل ما توليه مملكة البحرين من اهتمام كبير بترسيخ مبادئ سيادة القانون وتعزيز الثقافة الحقوقية لدى الأفراد، انسجاما مع رؤية صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، في بناء دولة المؤسسات والقانون وترسيخ النهج الديمقراطي القائم على احترام الحقوق والحريات.
وأضافت أن الجهود الحكومية ودور السلطة التشريعية والقضائية ومؤسسات المجتمع المدني قد ساهمت -إضافة إلى التطور الإعلامي والتقني- في زيادة الوعي بالحقوق والواجبات القانونية، مستدركة بأن الوعي القانوني ما يزال بحاجة إلى مزيد من التطوير المستمر لمواكبة المستجدات التشريعية وتعزيز قدرة الأفراد على فهم الإجراءات القانونية وممارسة حقوقهم على نحو صحيح.
وأردفت د.الرياشي أن تعزيز الثقافة القانونية يمثل ركيزة أساسية في تحقيق رؤية جلالة الملك المعظم نحو مجتمع واعٍ ومسؤول يقوم على احترام القانون والمشاركة الإيجابية وترسيخ قيم العدالة والمساواة، بما يعكس المسيرة التنموية الشاملة التي تشهدها مملكة البحرين.

الكوهجي: تغليب الحقيقة
وقال المحامي الدكتور محمد الكوهجي إن المحامي يمكنه الموازنة بين دفاعه عن موكله والتزامه بقيم العدالة من خلال اعتبار نفسه “معاونا للقضاء”، فيلتزم بتقديم أفضل دفاع ممكن لموكله ضمن حدود القانون والأخلاق المهنية، رافضا اللجوء إلى أي طرق ملتوية، وتغليب مصلحة الحقيقة والعدالة على مجرد كسب القضية، لافتا إلى أن تلك الموازنة الدقيقة تتحقق من خلال العمل في إطار الشرعية، إذ يمتنع المحامي عن استخدام أدلة مزورة أو شهود زور، ويرفض تسويغ أي سلوك إجرامي أو الانخراط فيه، ويقتصر دوره على ضمان حصول موكله على محاكمة عادلة.
وأضاف أن المحامي يساعد المحكمة في فهم جوانب القضية كافة عبر تقديم الحجج القانونية السليمة، ما ينير طريق القاضي للوصول إلى الحقيقة وتطبيق القانون بإنصاف، فضلا عن حماية أسرار موكله لتشجيعه على الإدلاء بالحقائق، ولكنه في الوقت نفسه لا يكون تابعا أعمى لموكله، بل يوجهه للنصيحة القانونية الصحيحة حتى إن تعارضت مع رغبات الموكل.
وأردف د.الكوهجي أن للمحامي دورا في نشر الوعي القانوني بين أفراد المجتمع من خلال مشاركته الفاعلة في الأمور ذات الصلة بالمهنة، لافتا إلى أن مهنة المحاماة ليست خالية من التحديات، بل يواجه المحامون ضغوطا كبيرة في سبيل تحقيق العدالة.

عبار: القضية أمانة
من جهته، ذكر المحامي جمعة عبار أن أكثر جانب خفي في حياة المحامي، هو حجم المسؤولية التي ترافقه في كل قضية يتولاها، مشيرا إلى أن الناس يرون المحامي عند المرافعة أو صدور الحكم، لكنهم لا يرون ما يسبق ذلك من جهد فكري وقانوني متواصل، ولا ما يبذله من دراسة وتمحيص وبحث في سبيل الوصول إلى أفضل معالجة قانونية ممكنة لما عُهد إليه من حقوق ومصالح، موضحا أن المحامي لا يتعامل مع القضايا بوصفها ملفات وأوراقا فحسب، بل بوصفها أمانات أُلقيت على عاتقه تستوجب منه الإحاطة بكل جوانبها واستقراء تفاصيلها والبحث الدؤوب عن السبل القانونية الكفيلة بحماية الحقوق وصون المصالح.
ولفت إلى أن القضية لا تنتهي بالنسبة للمحامي بانتهاء ساعات العمل أو مغادرته مكتبه، بل تظل حاضرة في تفكيره القانوني، يراجع معطياتها ويوازن بين احتمالاتها ويستحضر ما قد يفتح آفاقا جديدة لخدمة موكله في إطار القانون، مشيرا إلى أن ما لا يدركه كثير من الناس أن الجزء الأكبر من عمل المحامي يتم بعيدا عن الأضواء؛ في البحث والتحليل والتخطيط القانوني وإعداد المذكرات وصياغة الدفوع وبناء الحجج، أما المرافعة التي يراها الجميع فهي في حقيقتها ثمرة عمل طويل وجهد متراكم وخبرة تتشكل عبر سنوات من الممارسة والالتزام.
واختتم عبار بأن المحاماة ليست مجرد مهنة تُمارس، ولكن مسؤولية تُؤدى ورسالة تُحمل، قوامها الدفاع عن الحقوق والإسهام في تحقيق العدالة وترسيخ سيادة القانون، وهي جوانب قد لا يراها الناس كاملة، لكنها تشكل حقيقة الحياة اليومية للمحامي.

الوداعي: مهارات حديثة
وفي سياق متصل، أشار المحامي السيد عيسى الوداعي إلى أن مهنة المحاماة شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورات متسارعة فرضت على المحامي اكتساب مهارات جديدة كانت تُعد في الماضي من المهارات الثانوية أو التكميليّة، ولكنها أصبحت اليوم من المتطلبات الأساسية لممارسة المهنة بكفاءة واحترافية، منها على سبيل المثال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مبينا أن الإلمام بالتكنولوجيا لم يعد رفاهية أو ميزة إضافية، بل أصبح ضرورة مهنية لا غنى عنها، فضلا عن إتقان اللغات والتواصل مع مختلف الثقافات حتى يتمكن من فهم مشكلات العملاء القانونية على نحو أدق وتقديم المشورة القانونية والدفاع عن الحقوق بأفضل صورة ممكنة.
وأضاف الوداعي أن مهارة التسويق القانوني وبناء العلامة المهنية مهمان أيضا، إذ يساعدان على بناء السمعة القانونية واستقطاب العملاء، فضلا عن الثقافة العامة والاطلاع على التخصصات المتعددة لتوسيع أفق المحامي وتعزيز قدرته على تحليل الوقائع واكتشاف الحلول القانونية المبتكرة.

القلاف: ميزان العدالة
من ناحيته، أوضح المحامي يوسف القلاف أن مهنة المحاماة في مملكة البحرين تحتل مكانة رفيعة، مبينا أنها المهنة الوحيدة التي حظيت بنص صريح في دستور المملكة، وهو ما يعكس ما توليه القيادة الحكيمة، وعلى رأسها صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، من اهتمام بدور المحاماة في ترسيخ العدالة وصون الحقوق والحريات وتعزيز سيادة القانون، ولافتا إلى أن المحامي ليس مجرد وكيل عن الخصوم، ولكن شريك أساسي في تحقيق العدالة وعنصر فاعل في المنظومة القضائية.
وأكمل بأنه من هذا المنطلق يعد التوازن بين واجب الدفاع عن الموكل والالتزام بقيم العدالة من أسمى الاختبارات التي تكشف عن جوهر المحاماة ورسالتها الحقيقية، مبينا أن الدفاع الأمين عن الموكل لا يتعارض مع العدالة بل يجسدها من خلال ضمان حق الإنسان في محاكمة عادلة وصون كرامته أمام القضاء، غير أن هذا الواجب يظل مقيدا بالحقيقة والواقع والقانون، فلا يجوز للمحامي تضليل المحكمة أو استخدام وسائل غير مشروعة أو المساس باحترام الخصوم وهيبة القضاء.

جسّام: بناء المهارات
إلى ذلك، أفادت المحامية عقيلة جسّام بأن المعرفة القانونية تشكل بلا شك الأساس الذي يقوم عليه عمل المحامي، إلا أن التطورات المتسارعة في بيئة العمل والمجتمع جعلت مهارة التفكير الاستراتيجي وحل المشكلات ضرورة لا تقل أهمية عن الإلمام بالنصوص القانونية، مبينة أن المحامي الناجح اليوم لا يقتصر دوره على معرفة القانون وتفسيره، بل يمتد إلى تحليل الوقائع وتقييم المخاطر وتوقع النتائج المحتملة واقتراح الحلول القانونية الأكثر ملاءمة لمصلحة موكله.
وأضافت جسّام أن مهارات التواصل الفعّال والتفاوض وفهم احتياجات العملاء واستخدام التقنيات الحديثة في البحث أصبحت من العوامل التي تميز المحامي القادر على مواكبة متطلبات العصر، إذ لم تعد المعرفة القانونية وحدها كافية، بل إن القدرة على توظيف هذه المعرفة بذكاء وكفاءة لتحقيق أفضل النتائج هي المهارة التي تصنع الفارق الحقيقي في الممارسة القانونية الفعالة.

كمال: دور الشباب
ورأت المحامية أمينة كمال أن مهنة المحاماة في البحرين مرشحة لمزيد من التطور والحداثة خلال السنوات العشر المقبلة، خصوصا مع التحول الرقمي والتقدم في استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في المجال القانوني.
ولفتت إلى أنه على رغم هذا التطور، سيظل دور المحامي أساسيا، لأن العدالة تتطلب فهما عميقا وخبرة وحكمة في التعامل مع القضايا المختلفة.
وأشارت إلى أن الشباب سيضطلعون بدور محوري في مستقبل مهنة المحاماة، في ظل توجهات سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة الداعمة لتمكينهم، التي تعكس إيمان القيادة بدورهم في التنمية وصناعة المستقبل، لافتة إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد جيلا شابا من المحامين يمتلك الكفاءة والطموح والقدرة على إحداث أثر في تطوير المنظومة القانونية.

عبداللطيف: رسالة حيّة
أما المحامية عائشة عبداللطيف فأكدت أن مفهوم “الحق”  قد تغير بالنسبة لها من مجرد نصوص قانونية جامدة في الكتب إلى أمانة ورسالة حية تلامس مصائر البشر، وذلك بعد سنوات من الترافع ومتابعة القضايا، مبينة أن الحق لا يكفي أن تملكه بل يجب أن تمتلك الحجة والشجاعة لإثباته والدفاع عنه.
وأضافت أن سنوات الترافع قد علمتها أن الحق ليس دائما ما هو ظاهر على السطح، بل هو تفاصيل تُبنى بالدليل والبرهان، وأن مهنة المحاماة هي الميزان الذي يحول النص المكتوب إلى عدالة ملموسة على أرض الواقع.

الجابر: تحديات مستمرة
ختاما قال المحامي صلاح الجابر إن مواكبة التطورات التشريعية والقانونية المتسارعة والتحول الرقمي والحفاظ على أخلاقيات المهنة وجودة العمل القانوني، وما يصاحبها من تعديلات مستمرة في القوانين والأنظمة والإجراءات القضائية، من أبرز التحديات التي ستبقى مؤثرة في مهنة المحاماة حتى بعد سنوات من الآن، وذلك لأن طبيعة العمل القانوني تفرض على المحامي الاطلاع الدائم وتحديث معارفه المهنية لضمان تقديم خدمة قانونية دقيقة وفعالة.
وأردف الجابر أن التطور المستمر في آليات وإجراءات العمل بالمحاكم والجهات العدلية يتطلب من المحامي التكيف السريع مع المستجدات العملية والإجرائية؛ الأمر الذي يجعل التعلم والتطوير المهني المستمرين من المتطلبات الأساسية للحفاظ على الكفاءة والتميز في ممارسة المهنة.