العدد 6447
الثلاثاء 09 يونيو 2026
المكاتب الهندسية في البحرين بيـن تحديـات البقـاء وفـرص التحـول
الثلاثاء 09 يونيو 2026

تشهد المكاتب الهندسية في مملكة البحرين تحديات متزايدة في السنوات الأخيرة، نتيجة للتغيرات الاقتصادية، وتباطؤ بعض المشاريع العقارية، وزيادة حدة المنافسة، هذه العوامل أثرت بشكل مباشر على استدامة هذا القطاع الحيوي الذي يُعتبر أحد أهم مصادر التنمية العمرانية والاستثمارية في المملكة. ورغم الكفاءات والخبرات الكبيرة التي تمتلكها المكاتب الهندسية البحرينية، إلا أن العديد منها يواجه صعوبات حقيقية تحتاج إلى اهتمام جاد من الجهات المعنية وصانعي القرار، بالإضافة إلى مبادرات تطويرية من داخل القطاع نفسه.
تواجه المكاتب الهندسية اليوم العديد من التحديات، وأبرزها انخفاض قيمة الأتعاب الهندسية بسبب المنافسة السعرية غير الصحية، فقد أصبحت بعض المشاريع تُطرح خلال هذه الأيام بأسعار لا تعكس حجم العمل والمسؤوليات المهنية مما يؤثر سلبًا على جودة المخرجات ويقلل من قدرة المكاتب على الاستثمار في الكفاءات والتطوير التقني. بالإضافة إلى ذلك تعاني هذه المكاتب من تأخر بعض الدفعات المالية من العملاء أو الجهات المنفذة، مما يخلق ضغوطاً تشغيلية ومالية تؤثر على استمرارية الأعمال.
 كما يواجه القطاع تحديات تتعلق بالإجراءات التنظيمية وطول الفترات الزمنية لبعض الموافقات والتنسيقات الفنية، فضلاً عن قلة المشاريع الحكومية المتاحة للمكاتب الصغيرة والمتوسطة، واحتكار بعض الأعمال من قبل شركات كبيرة أو تحالفات أجنبية. وللعلم أن التحول الرقمي والتطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والتصميم الهندسي أصبح اليوم من الضروريات التي تغير مسارات العمل والإنتاج في هذه المكاتب الهندسية وهذا بلا شك يتطلب استثمارات مستمرة في التدريب والبرمجيات والبنية التحتية التقنية، مما يشكل عبئاً إضافياً على العديد من المكاتب. ومن التحديات المهمة أيضًا صعوبة جذب الكفاءات الهندسية المتميزة والاحتفاظ بها، خاصة مع ارتفاع تكاليف التشغيل والمنافسة الإقليمية على الخبرات. هذا الوضع قد يدفع بعض المكاتب إلى تقليص فرق العمل أو الاعتماد على حلول مؤقتة، مما قد يؤثر على جودة الخدمة المهنية.
ولتعزيز هذا القطاع الحيوي، بات من الضروري تبني مجموعة من الحلول العملية التي تحقق توازنًا بين دعم المكاتب الهندسية والحفاظ على أخلاقيات ومبادئ المهنة، ومن أبرز هذه الحلول إعادة تقييم آليات تسعير الخدمات الهندسية وتحديد حد أدنى إرشادي للأتعاب، بما يحفظ قيمة العمل الهندسي وجودته، بالإضافة إلى تشجيع المنافسة المعتمدة على الكفاءة والإبداع بدلاً من التركيز فقط على أقل الأسعار.
كما يمكن للجهات الرسمية تعزيز دور المكاتب المحلية من خلال منحها أولوية أكبر في المشاريع الحكومية، وتخصيص نسب من المناقصات للمكاتب البحرينية الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى تسريع الإجراءات المرتبطة بالتراخيص والموافقات الفنية عبر الأنظمة الذكية والتحول الرقمي الكامل.
أما على صعيد تنويع مصادر الدخل فأنه  يمكن للمكاتب الهندسية توسيع نطاق عملها في مجالات مهنية مرتبطة بتخصصها دون المساس بأخلاقيات المهنة، مثل خدمات إدارة المشاريع، والاستشارات العقارية والفنية، وإعداد دراسات الجدوى العمرانية، والتدقيق الهندسي، والتصميم الداخلي، والتصميم المستدام، كما يمكنها تقديم خدمات المباني الذكية والتحول الرقمي في قطاع البناء، بالإضافة إلى إعداد المواصفات الفنية والتقارير الهندسية للجهات الاستثمارية والبنوك وذلك بالتنسيق المباشر مع الجهة المعنية بتراخيص المكاتب الهندسية، كما يمكن للمكاتب تعزيز خدماتها في مجالات الإشراف الهندسي المتخصص، وإدارة المرافق، والتوثيق الرقمي للمباني، بالإضافة إلى الاستشارات المتعلقة بالطاقة الشمسية والاستدامة البيئية، وهي مجالات تشهد نمواً عالمياً وتتناسب مع اتجاهات التنمية الحديثة في الخليج.
يمتلك القطاع الهندسي في البحرين إمكانات كبيرة وخبرات وطنية تنافسية على المستوى الإقليمي، لكن لضمان استدامته، يحتاج إلى تعاون حقيقي بين الجهات التنظيمية والمكاتب الهندسية والقطاع الخاص، لتحقيق بيئة مهنية أكثر استقراراً وتطوراً، فالمكتب الهندسي ليس مجرد جهة تصميم، بل هو شريك أساسي في التنمية العمرانية والاقتصادية وصنع مستقبل المدن وتعزيز جودة الحياة.

 

* مهندس معماري بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .