ما زلت أذكر بداياتي الأولى في المجال العقاري عام 2008، حين كانت الإعلانات الورقية البسيطة قادرة على صناعة حركة كاملة في السوق. في تلك الفترة، كنت أضع إعلانًا صغيرًا في نشرة الإعلانية المجانية “الوسيط”، وما إن يصدر العدد، كانت الاتصالات تتدفق بكثافة لدرجة أنني أحيانًا اضطر لإغلاق الهاتف لتفادي الإزعاج من كثرة الاستفسارات. يومها، كانت السوق تعيش الانتعاش والطفرة العقارية، وكانت الوسائل محدودة، لكنها فعّالة.
في الماضي، كان الوسيط العقاري أشبه بـ“الدلال” التقليدي؛ يعرض ويتنقل بين العقارات، بينما كانت قيمته تُقاس بعدد الخيارات التي يمتلكها وقدرته على الوصول للعقارات ومدى وسع علاقاته. أما اليوم، فقد اختصرت التكنولوجيا جزءًا كبيرًا من هذا الدور. فالمنصات العقارية ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت توفر للعميل معظم المعلومات بضغطة زر، من مقارنة الأسعار، إلى معرفة تفاصيل المناطق، وحتى مشاهدة العقار عبر التصوير الاحترافي. ولم يعد الاعتماد على الإعلان التقليدي، بل دخل مرحلة تحول رقمي أعادت تعريف دور الوسيط العقاري نفسه، وغيرت طريقة الوصول إلى العملاء والتأثير في قراراتهم. وهذا التحول السريع يطرح سؤالًا مهمًا: ما مستقبل الوساطة العقارية؟
من وجهة نظري، فإن الدور التقليدي الذي يقتصر على عرض العقارات والتعريف بين الأطراف سينتهي قريبًا، لأن المعلومة لم تعد حكرًا على أحد. لكن في المقابل، سيظهر دور أكثر أهمية واحترافية، دور المستشار العقاري. الشخص الذي لا يبيع العقار فقط، بل يقرأ السوق، ويحلل الاتجاهات، ويقدم المشورة الصادقة التي تساعد العميل على اتخاذ القرار الأنسب بناءً على الخبرة والمعرفة، لا على كثرة العروض فقط.
وأتذكر نقاشًا دار بيني وبين أحد الزملاء، مؤسس إحدى أهم المنصات العقارية أثناء مشاركته في معرض سيتي سكيب البحرين 2024، حين تطرقت إلى ضرورة إدخال تقنيات التصوير 360 والواقع الافتراضي في المنصات العقارية، لأنني شخصيًّا أتوقع بأن انتشار هذه التقنية سوف يكون مسك الختام للطريقة التقليدية، خاصة مع تغير سلوك العميل بعد الجائحة، الذي أصبح يبحث ويعاين ويقارن من منزله قبل أن يقرر زيارة العقار. يومها أدركت أن السوق يتغير بسرعة، وأن من لا يواكب هذا التحول قد يجد نفسه خارج المنافسة.
وفي الختام، لا أرى أن التقنيات الرقمية ستلغي دور الإنسان في القطاع العقاري، بقدر ما ستعيد تعريف هذا الدور وتمنحه بُعدًا أكثر احترافية. فالمرحلة القادمة لن تُقاس بكثرة الإعلانات أو حجم المعروض، بل بقدرة الوسيط على تقديم قيمة حقيقية للعميل من خلال الخبرة، والمصداقية، وفهم السوق بعمق. فالوسيط الذي يكتفي بعرض العقارات فقط، قد يتراجع حضوره مع الوقت، أما من يمتلك القدرة على التحليل، وشرح الأنظمة بوضوح، وتقديم المشورة الصادقة، فسيبقى الأكثر تأثيرًا واستمرارًا. لأن العميل اليوم لم يعد يبحث عن عقار فحسب… بل عن إنسان ذي مشاعر يمنحه الثقة قبل أن يمنحه الخيار.
* خبير عقاري