العدد 6417
الأحد 10 مايو 2026
اقتصاد الحرب.. حين تصبح الكلفة هي المعركة (4 - ‏9)
الأحد 10 مايو 2026

ويضاف إلى ذلك أثر التمويل عبر الدين العام، حيث إن تغطية الإنفاق العسكري تتم غالبا عبر الاقتراض؛ ما يزيد من عبء خدمة الدين في السنوات اللاحقة. وإذا أُخذت هذه العناصر مجتمعة: الإنفاق المباشر، وأثر التضخم، وخسائر النمو، وزيادة كلفة التمويل، فإن الكلفة الإجمالية التي يتحملها الاقتصاد الأميركي يمكن أن تُقدَّر بشكل أكثر دقة ضمن نطاق يتراوح بين 170 و300 مليار دولار سنويا، غير أن أهمية هذا الرقم لا تكمن في حجمه المطلق، بل في طبيعته؛ فهو لا يشكل ضغطا حادا على اقتصاد بحجم الاقتصاد الأميركي، لكنه يمثل استنزافا تدريجيا يتراكم بمرور الوقت، ويقيد هامش السياسة الاقتصادية، ويحوّل الحرب إلى عبء سياسي بقدر ما هي عبء مالي، وهو ما يتسق مع تحليل للحروب طويلة الأمد.
في الحالة الإيرانية، لا تكمن المشكلة الرئيسة في أن الحرب ألحقت خسائر كبيرة فحسب، بل في أنها أصابت اقتصادا كان يعيش أصلا تحت ضغط عقوبات ممتدة، وبنية تمويلية محدودة، وحساسية مرتفعة تجاه أي تعطّل في الإيرادات النفطية. وهذا ما يجعل الكلفة الإيرانية أكثر قسوة من مجرد رقم يُقارن برقم أميركي أو إسرائيلي؛ فحين تتعرض دولة تنتج نحو 3.5  ملايين برميل يوميا إلى تعطّل في تصدير نحو مليوني برميل يوميا بسبب الحصار والاختناق الملاحي، فإن المسألة لا تعود متعلقة فقط بخسارة عائدات يومية، بل بتعطّل الآلية التي تربط الإنتاج بالنقد الأجنبي وبالإنفاق العام وبالاستقرار النقدي في آنٍ واحد. وقد قدّرت “رويترز”، استنادا إلى محللين في السوق، أن هذا التعطّل قد يجبر إيران على خفض الإنتاج خلال فترة تتراوح بين 16 يوما وشهرين تبعا لحجم سعات التخزين الفعلية، التي تتراوح التقديرات بشأنها بين 30 و90 مليون برميل. هذه الأرقام ليست تقنية فقط؛ إنها تكشف أن الاقتصاد الإيراني لا يملك هامشا واسعا لتحويل الأزمة إلى مسألة مؤقتة، بل يواجه احتمال انكسار في دورة الإيراد نفسها إذا طال أمد الاختناق. 
ومن هنا، فإن تقدير الكلفة الإجمالية لإيران لا ينبغي أن يقتصر على قيمة ما فُقد من منشآت أو ما توقف من صادرات في المدى القصير، بل يجب أن يشمل أثر الحرب في العملة، والاستيراد، والتضخم، والقدرة على تسيير الدولة. إذا افترضنا متوسط خسارة يومية يتراوح بين 200 و300 مليون دولار من تعطّل الصادرات، فإن ذلك يقود إلى خسارة شهرية في حدود 6 إلى 9 مليارات دولار من النفط الخام وحده، قبل احتساب الآثار المرتبطة بالبتروكيماويات والتجارة الأخرى. ولأن “رويترز” أفادت أيضا بأن إيران أوقفت صادراتها البتروكيماوية إلى أجل غير مسمى بعد استهداف مراكز مثل عسلوية وماهشهر، فإن خسارة إضافية تُلقى على الاقتصاد عبر قطاع كانت صادراته السنوية تُقدّر بنحو 13 مليار دولار. بذلك، يصبح تقدير الخسارة السنوية الإيرانية - بين النفط، والبتروكيماويات، وأضرار الأصول، والاختناق التجاري - أقرب إلى نطاق يتراوح بين 100 و160 مليار دولار، وهو نطاق يبدو معقولا إذا قيس بحجم الاقتصاد الإيراني وقدرته التمويلية المحدودة. 
لكن هذا الرقم، مهما بدا كبيرا، لا يعبّر وحده عن جوهر المسألة؛ فإيران لا تتحمل فقط كلفة حرب، بل تتحمل كلفة حرب فوق اقتصاد معاقَب ومُقيَّد سلفا. وهذا يعني أن كل دولار خسارة يترك أثرا مضاعفا مقارنة باقتصاد أكثر مرونة؛ فإذا انخفضت الإيرادات الدولارية، يزداد الضغط على العملة المحلية، وإذا ضعفت العملة، ترتفع كلفة الواردات، وإذا ارتفعت كلفة الواردات، يتسارع التضخم، وإذا تسارع التضخم، انخفضت القدرة الشرائية وتزايد الضغط الاجتماعي. بهذا المعنى، لا تكون الحرب مجرد استنزاف مالي، بل تتحول إلى آلية تضخيم للأزمة الهيكلية. وهذا ما يجعل السؤال الإيراني مختلفا عن السؤال الأميركي؛ ليس هل تستطيع الدولة دفع الكلفة؟ بل هل يستطيع الاقتصاد أن يمنع هذه الكلفة من التحول إلى تدهور ممتد في المعيشة والاستقرار النقدي والاجتماعي؟ 
أما دول الخليج، فتمثل حالة أكثر تعقيدا؛ لأن القراءة السطحية قد توحي بأنها مستفيدة من الحرب طالما ارتفعت أسعار النفط، غير أن هذا الاستنتاج لا يصمد أمام التحليل الاقتصادي الدقيق.  

صحيح أن ارتفاع السعر يرفع الإيرادات الاسمية للمنتجين، لكن الحرب لم ترفع الأسعار فقط؛ لقد عطلت أيضا التدفقات، ورفعت كلفة الشحن والتأمين، وأثارت شكوكا تتصل بسلامة الممرات، وألحقت ضررا مباشرا ببعض الأنشطة اللوجستية. وقد أوضحت وكالة الطاقة الدولية، كما نقلت “رويترز”، أن الحرب أحدثت أكبر صدمة في تاريخ المعروض النفطي الحديث تقريبا، حيث انخفض الإمداد العالمي بنحو 1.5 مليون برميل يوميا، وتحوّل التوقع من نمو في الطلب إلى انكماش طفيف، كما أن أسعار النفط اقتربت من 150 دولارا قبل أن تتراجع لاحقا إلى ما دون 100 دولار مع تحسن توقعات التهدئة. هذه الصدمة لا تعني أن الخليج “ربح”، بل تعني أن الخليج دخل في بيئة أكثر تقلبا، حيث ترتفع الأسعار لأن طرق الإمداد نفسها صارت أقل موثوقية. 
يتضح ذلك بصورة أكثر مباشرة إذا انتقلنا من السوق النفطية المجردة إلى الاقتصاد اللوجستي الخليجي؛ فالفجيرة، وهي من أهم مراكز تموين السفن قرب هرمز، شهدت في مارس انخفاضا في مبيعات الوقود البحري إلى 158,852 مترا مكعبا فقط، بانخفاض يتجاوز 70 % عن فبراير وعن الشهر نفسه من العام السابق، بحسب “رويترز”. وهذا الانخفاض لا يعكس مجرد تقلص في نشاط ميناء بعينه، بل يكشف أن الحرب تضرب الاقتصاد الموازي للطاقة (الخدمات، والتموين، والنقل البحري، والتأمين، وكل ما يتغذى على انسياب التجارة والطاقة). وحين يتأذى هذا الاقتصاد الخدمي، فإن الخسارة لا تعوّضها زيادة سعر البرميل بسهولة؛ لأن المشكلة تنتقل من سعر السلعة إلى موثوقية البيئة الاقتصادية بأكملها.

*خبير إعلامي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية