العدد 6376
الإثنين 30 مارس 2026
تباين الكتب البحرينية في أحجامها.. أصغرها كتاب “منمنمات”
الإثنين 30 مارس 2026



يزخر الإنتاج الفكري البحريني الخاص بتأليف الكتب وإصدارها بوجود مجموعة كبيرة من الكتب ذات الحجم الصغير. وقد اخترت من بين تلك المجموعة الكبيرة ثلاثة كتب للحديث عنها كعينة ليس إلا، أصغرها جميعًا كتاب “منمنمات” من تأليف الكاتب والصحافي المعروف إبراهيم بشمي، الذي حصل على ترخيص من وزارة الإعلام لطبعه ونشره، وقامت بطبعه ونشره مؤسسة الأيام للصحافة والطباعة والنشر في العام 1994.

يتكون الكتاب من 113 صفحة، ويبلغ طول الصفحة 12 سم وعرضها 8 سم، وضم الكتاب 81 منمنمة مصحوبة برسومات لكل منمنمة. والمنمنمات هي في الواقع تطلق على النقوش أو اللوحات الفنية التي ترسم باليد ويكتب تحتها تعليق عبارة عن حكمة تجسد تلك الرسمة. ومثال على ذلك ما جاء في الصفحة 20 من الكتاب وكان العنوان “حمارة الغني”.

كتب تحت العنوان مجموعة جمل قصيرة هي: “مات في الحي فقير، فقال المنافقون لم نسمع بالخبر. وعندما نفقت حمارة الغني، تسارع المنافقون في الذهاب وهم يقولون: سامحنا يا سيدنا.. تأخرنا عن حضور العزاء”. ونشر أسفل الصفحة رسم حمارة.

ونطرح مثالا آخر من الكتاب، في الصفحة 50 منمنمة عنوانها “الثوب”، وكتب تحت العنوان: “كان يلبس الحرير والديباج، وكان ينام على الخز والدمقس. وعندما مات كفن في ثوب من الكتان لا جيوب له”. ونشر تحت الكتابة صورة بطاقاته البنكية وسيارة آخر “موديل”.

وحري بالذكر أن الأستاذ إبراهيم بشمي تمكن من إصدار مجموعة قصص للأطفال تحت عنوان “ماذا يقرأ أطفال العالم؟” بلغ عددها 26 عنوانا، وبلغ حجم كل صفحة 17 سم طولًا و10 سم عرضًا، وجميعها مترجم عن تراث بلدان أجنبية إلى اللغة العربية.

الكتاب الثاني الصغير الحجم والنادر والفريد من نوعه عنوانه “أوزان اللؤلؤ” من تأليف سلطان بن محمد بن علي المناعي، صادر في العام 1886م وتم طبعه في بومبي (مومبي حاليًا)، وأعيد طبعه من قبل محمد بن عبدالله بن عيسى المناعي في العام 1994م كنسخة مكررة طبق الأصل من النسخة الأصلية، وهو الكتاب الثاني المعروف بصغر حجمه بعد كتاب “منمنمات”. 

ويتكون الكتاب من 830 صفحة ويبلغ طول الصفحة 14 سم وعرضها 8.5 سم، وغلاف الكتاب مميز وفريد من نوعه. وكتب محمد بن عبدالله بن عيسى المناعي مقدمة للكتاب شرح فيها أهمية اللؤلؤ، ودور رجال الغوص وما عانوه من هذه المهنة التي كانت المهنة الرئيسة في البحرين، والتي انتقلت من الأجداد إلى الأبناء ومن ثم إلى الأحفاد.

جسد في نهاية مقدمته معاناة رجال الغوص بذكر أبيات شعر توضح تلك المعاناة بأجلى صورها، جاء فيها: 
“تركوا البنين مع النعيم لأجله     
وسعوا بفلك في البحار ميسره
واستطيبوا ضر العذاب ومسه     
جل الذي لعمار كون سخره
جعلوه موسم أنسهم ومعاشهم      
وهو العذاب المحض مدة أشهره
حتى إذا تم الأوان أتوا به      
كل على حسب وجهد المقدره”

ويوثق الكتاب في حد ذاته أوزان اللؤلؤ حسب أنواعها، وقد غطت جميع صفحات الكتاب البالغ عددها 830 صفحة جداول توضيحية متكررة تتكون من ستة أعمدة، ويختص كل عمود بنوع من اللؤلؤ، منها الدانة وغيرها.

وهناك مجموعة كبيرة من الكتب المتباينة في أحجامها الصغيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب “حادي بادي من مقامات الحد آبادي” الصادر في العام 1989م، لمؤلفه الصحافي المعروف خليفة حسن قاسم. والكتاب من منشورات دار المسيرة للطباعة والنشر.

ويضم الكتاب 138 صفحة، ويبلغ طول الصفحة 16 سم وعرضها 11 سم. ويبلغ عدد المقامات التي نشرها في كتابه هذا 34 مقامة جميعها مشوقة ولها نكهتها الخاصة، حيث استخدم في جميع جملها السجع الذي هو من المحسنات اللفظية المشنفة للآذان.

وحري بالذكر أن العديد من المقالات التي نشرها في الصحافة والتي من بينها “طاش ما طاش”، هي مقالات ساخرة لها نكهتها الخاصة وتتضمن في معانيها أهدافا سامية.

وجسد كتاب “حادي بادي من مقامات الحد آبادي” قمة ما كتبه ونشره من مقامات ساخرة وهادفة في آن واحد؛ الأمر الذي أدى إلى نفاد جميع النسخ المطبوعة من كتابه “حادي بادي” خلال أيام قليلة من عرضه للبيع، حيث كنت شاهدًا على ذلك من خلال وظيفتي آنذاك مديرًا لإدارة المكتبات العامة التي تقتني كل كتاب يصدر في البحرين.

ونظرًا لأهمية هذا الكتاب الذي كان له الدور الكبير في الترويح عن النفس فقد ارتأيت أن أختار للقارئ الكريم نشر جزء من إحدى مقاماته، وعنوانها “مقامة الكبار في التشبه بالصغار”، وجاء فيها: 

“حدثنا رجل من باربار، يدعى سيد عبدالجبار، الملقب بأبي العيوان الكبار.. فقال: وهو يشكو الحال، وسوء المآل، وقلة المال، وكثرة العيال.. عاتبًا على الدهر المنحوس، الذي أحنى ظهره وأطاح الضروس، فجعله ينطق الروس روث! والعروس عروث! ويسمي الصاحب أبو كبوث”. وكان أهالي البحرين يطلقون على الإنجليز الذين يعملون في مصفاة النفط “صاحب” و “أبو كبوس”؛ لأنهم كانوا يلبسون الخوذة وقاية للرأس. 

“فقلنا يا عبدالجبار أنت الآن من الكبار، وتلك حقيقة ليس عليها غبار، ومثلك أيها الكبير لا يرهق نفسه بالتفكير، ولا يعنى بما قال زيد وبشير.. فقد أخذت من الدنيا نصيبك، وسعدت مع حبيبتك وحبيبك، وشنفت أذنك بأغنية الله حسيبك. 

فرد عبدالجبار عليه قائلًا: ما هذا الكلام يا جاهل، يا من تستحق الضرب وتستاهل! هل حسبتني أكبر منك، يا من لا تستطيع علك العلك، وحياتك معلقة بسلك، أنا ما زلت في شبابي، ولم تضق عليَّ ثيابي، فكيف تتمنى موتي وغيابي، يا أيها الشيخ المتصابي، أما علمت بأني أنوي الحراج، يأتيه المشترون بالأفواج، وسأكون صاحب ثروة يا أيها العوه، فقلت له قوه”. والعوه هي عاهة تشوه الجسد. وختم مقامته قائلًا: “فتأملوا يا أولي الأبصار أن في قصة عبدالجبار عظات كبار، فمن في الحياة طمع، غلبه الموت فطبع”.

* باحث ومؤرخ بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية