العدد 6375
الأحد 29 مارس 2026
الاقتصاد البرتقالي في دول مجلس التعاون الخليجي (5 من 7) رؤية مستقبلية للصناعات الإبداعية والابتكار الرقمي والتنويع الاقتصادي
الأحد 29 مارس 2026

لطالما اعتمدت دول مجلس التعاون الخليجي على النفط والغاز كعمود فقري لاقتصاداتها. ومع ذلك، فإن الديناميكيات العالمية المتغيرة، بما في ذلك التحرك نحو الاستدامة، وصعود الاقتصادات الرقمية، وزيادة توقعات الشباب، قد أدت إلى تسريع الحاجة إلى التنويع الاقتصادي. أحد أكثر البدائل الواعدة هو الاقتصاد البرتقالي، الذي يشمل القطاعات التي تعتمد على الإبداع والأصول الثقافية ورأس المال الفكري - مثل الإعلام والفنون والتصميم والبرمجيات والمحتوى الرقمي والصناعات التراثية.
ومن الطبيعي أن يتطلب هذا التحول الاقتصادي الاستراتيجي خارطة طريق شاملة لصانعي السياسات والهيئات الحكومية والمخططين الاقتصاديين في دول مجلس التعاون الخليجي، إن هم أرادو مواجهة التحول نحو اقتصاد برتقالي. 
فمن المتوقع أن يمس هذه الاختيار الاستراتيجي التوجيهات الخاصة بالقطاعات، والإصلاحات المنهجية اللازمة لبناء اقتصاد إبداعي نابض بالحياة ومستدام ذاتيا،  وقادر على أن يصبح ركيزة اقتصادية رئيسية ملهمة وموجهة في آن.
1. اختيار المسار الاستراتيجي
‌أ. المسار التجاري مقابل المسار الصناعي
يضمن المسار التجاري تحقيق الدخل ونشر السلع والخدمات الإبداعية في السوق. ويتضمن ذلك مجالات مثل توزيع المحتوى، والترويج للأحداث، وتسويق المنتجات. ومن الطبيعي أن يكون أسهل نسبيا في التنفيذ لأنه يتطلب استثمارا أقل في البنية التحتية، ويستفيد من سلاسل التوريد والمنصات العالمية الحالية. كما يمكن هذا المسار دول مجلس التعاون الخليجي من بناء رؤية وإيرادات فورية.
على نحو مواز يتضمن المسار الصناعي إنتاج وتصميم وتصنيع المنتجات الإبداعية، مثل الوسائط الرقمية والبرمجيات والحرف اليدوية وتطوير الملكية الفكرية. ورغم أنها أكثر تطلبا من حيث رأس المال البشري، والبنية الأساسية، والاستثمار، إلا أنها تبني أسسًا اقتصادية مستدامة، وتضمن الملكية المحلية للأصول الإبداعية، ويمكنها توليد صادرات ذات قيمة مضافة عالية.
في ضوء تلك المقارنة ينصح بتبني نموذج هجين: البدء بالمسار التجاري لتوليد الزخم، واكتساب فهم السوق وتحفيز الاهتمام، مع الاستثمار التدريجي في القدرات الصناعية والتدريب والبنية التحتية لتأمين الفوائد الاقتصادية طويلة الأجل.
1. تحديد مكونات الدخول القطاعية
‌أ. قنوات الدخول التجارية
I. توزيع الأفلام والتلفزيون: يشمل هذا القطاع استيراد وتوطين الأفلام والبرامج التلفزيونية العالمية من خلال الدبلجة والترجمة المرئية، وتصدير المحتوى الخليجي المنتج إلى الأسواق الدولية. يتحقق ذلك من خلال الاستثمار في منصات البث الإقليمية، وخفض قيمة المحتوى، كي تتمكن دول مجلس التعاون الخليجي من أن تصبح لاعبًا رئيسا في توزيع الوسائط العربية.
II. السياحة الثقافية: من خلال تعزيز وتسويق مواقع التراث المحلي والمتاحف والمهرجانات والفعاليات الفنية، يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي جذب السياح المهتمين بالتجارب الثقافية الأصيلة. تساهم مبادرات مثل الجولات التراثية المصحوبة بمرشدين ومهرجانات الطهو والعلامات التجارية الإبداعية للمدن في عائدات السياحة والقوة الناعمة.
III. المنصات الرقمية: يتضمن ذلك إنشاء أو الاستثمار في تطبيقات الأجهزة المحمولة ومواقع الويب لبث الموسيقى والتعليم عبر الإنترنت والبودكاست والترفيه الاجتماعي. يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي إنشاء منصات تعرض المحتوى العربي، والاستفادة من كل من الجماهير المحلية والشتات مع تحقيق إيرادات الإعلانات والاشتراكات.
IV. تسويق الأزياء والسلع الفاخرة: بفضل القوة الشرائية القوية والأذواق الراسخة للعلامات التجارية الراقية، يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تضع نفسها كمركز عالمي للأزياء. إن تشجيع المصممين المقيمين في الخليج والترويج للملابس والأكسسوارات التقليدية في أسواق الأزياء الدولية يعزز الرؤية الاقتصادية والثقافية.


‌ب. قنوات الدخول الصناعية
I. استوديوهات الألعاب والرسوم المتحركة: يتيح إنشاء استوديوهات محلية لإنتاج ألعاب رنانة ثقافية ومحتوى رسوم متحركة لدول مجلس التعاون الخليجي إشراك التركيبة السكانية الشابة وتصدير الثقافة الرقمية. يمكن لهذه الاستوديوهات أيضا التعاون مع المؤسسات التعليمية لبناء المواهب الإبداعية.
II. تصنيع الحرف اليدوية والتصميم الثقافي: يشمل هذا القطاع إنتاج الحرف اليدوية التقليدية عالية الجودة ومنتجات التصميم الحديثة المتجذرة في الثقافة المحلية. من خلال العلامات التجارية والشهادات المناسبة، يمكن تصدير هذه المنتجات عالميا وبيعها من خلال منصات التجارة الإلكترونية.
III. النشر وتكنولوجيا الإعلام وتطوير الواقع المعزز /‏‏ الواقع الافتراضي (AR/‏‏VR): يمكن أن يساعد الاستثمار في نشر الكتب ومنصات الوسائط عبر الإنترنت والتقنيات الغامرة لرواية القصص في بناء سرد ثقافي فريد للمنطقة. يمكن لتطبيقات الواقع المعزز /‏‏ الواقع الافتراضي في السياحة والتعليم والمتاحف أن تحدث ثورة في تجربة المستخدم.
IV. تطوير البرمجيات للتطبيقات الثقافية: تشجيع تطوير تطبيقات وأدوات لتعلم اللغة العربية أو استكشاف تاريخ الخليج أو الانخراط في الفن الإسلامي يعزز المشاركة الثقافية الرقمية. يمكن أيضا تحقيق الدخل من هذه الأدوات على مستوى العالم ودمجها في أنظمة التعليم في الخارج.
2. التحديات المتوقعة
‌أ. التحديات التجارية في الاقتصاد البرتقالي
تواجه علاقة المرأة في المنطقة بالاقتصاد البرتقالي حزمة من التحديات المتوقعة التي لا يمكن النظر إليها بمعزل عن بعضها، لأنها تتشابك بين ما هو تجاري وصناعي ورقمي وإبداعي. فمن الناحية التجارية، أدّى الاعتماد المزمن على المحتوى الإبداعي المستورد إلى حالة من “انعدام الهوية الإقليمية” في أنماط استهلاك وسائل الإعلام والترفيه؛ إذ يغلب على المنصات والشاشات حضور منتجات أجنبية ذات قدرات تسويقية وميزانيات ضخمة، ما يجعل المنتجات المحلية – بما فيها التي تقودها نساء – تكافح للوصول إلى الجمهور نفسه أو حتى إلى منصات العرض ذاتها. يضاعف من ذلك ضعف بناء العلامات التجارية الإبداعية المحلية، والاشتغال المحدود على سرديات مغايرة تعطي للمحتوى الخليجي والعربي شخصية مميزة قابلة للتسويق عابرًا للحدود، فضلًا عن القيود اللغوية التي تجعل جزءًا كبيرًا من المحتوى حبيس اللغة العربية من دون جهود منهجية للترجمة والتوطين العكسي إلى لغات أخرى. في ظل نظام بيئي متخلف نسبيًا لريادة الأعمال الإبداعية، حيث الوصول إلى التمويل والإرشاد والشركاء الاستراتيجيين ما يزال محدودًا وغير متكافئ، تبدو كثير من المبادرات النسائية واعدة على المستوى الإبداعي، لكنها هشّة تجاريًا وغير قادرة على الاستدامة أو التوسع، خصوصا مع بقاء منظومة إنفاذ حقوق المؤلف والملكية الفكرية في وضع هش أو متذبذب في بلدان عدة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .