استهداف أكثر من 16 سفينة في الخليج خلال أسبوعين
مقايضة “خارك” بـ”هرمز” تصعد بمخاطر الانسكابات النفطية إلى الواجهة
-
أخطر موجة استهداف للسفن في الخليج منذ “حرب الناقلات”
يشهد الخليج العربي اليوم واحدة من أخطر لحظات التوتر في تاريخ سوق الطاقة العالمي، مع استمرار التصعيد العسكري في المنطقة، حيث تحولت الممرات البحرية الحيوية في المنطقة، وعلى رأسها مضيق هرمز، إلى ساحة مواجهة مباشرة، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف العالم من كارثة نفطية واسعة النطاق تشبه كبرى الانسكابات التي شهدها التاريخ الحديث.
مخاوف يعززها إصرار واشنطن من جهة على تأمين المرور عبر المضيق عبر الحل العسكري، وذلك من خلال حياكة معادلة جديدة تضع البنية التحتية النفطية لجزيرة “خارك” الإيرانية في مقابل استماتة طهران في الاحتفاظ بورقة المضيق.
وعلى الضفة الأخرى، تقابل طهران تهديدات واشنطن باستهداف شريان الطاقة الإيرانية بتهديد آخر، عبر استهداف المنشآت النفطية في دول المنطقة والشركات المتعاونة مع الولايات المتحدة.
فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، أصبح عملياً شبه مغلق منذ أواخر فبراير 2026 بعد إعلان إيران منع مرور السفن في الممر المائي، رداً على العملية العسكرية الأميركية الإسرائيلية في إيران.
وأدى ذلك إلى انخفاض حركة السفن في المضيق بنسبة تقارب 70%، فيما توقفت شركات الشحن والتأمين عن المخاطرة بإرسال الناقلات عبر المنطقة عالية الخطورة.
وتشير بيانات المراقبة البحرية إلى أن عشرات السفن ظلت عالقة في الخليج بانتظار اتضاح الوضع الأمني، في وقت يحذر خبراء الطاقة من أن أي تسرب نفطي واسع قد يتحول إلى كارثة بيئية إقليمية.
جزيرة خارك
وجاء التصعيد الأكبر فجر السبت 14 مارس مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنفيذ ضربة جوية واسعة استهدفت أهدافاً عسكرية في جزيرة خارك الإيرانية، وهي الجزيرة التي تعد الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية.
وتُعد خارك أهم مركز لتصدير النفط في إيران، إذ تمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الخام الإيرانية، كما تضم شبكة ضخمة من خطوط الأنابيب وخزانات التخزين ومحطات تحميل الناقلات العملاقة.
وقد حذر ترامب من أن البنية التحتية النفطية في الجزيرة قد تصبح هدفاً مباشراً إذا استمرت الهجمات على السفن أو تعطلت حركة النفط العالمية.
وفي المقابل، ردت إيران بتهديدات مباشرة باستهداف المنشآت النفطية في دول المنطقة والشركات المتعاونة مع الولايات المتحدة، في خطوة أثارت مخاوف واسعة من اتساع دائرة الصراع ليشمل البنية التحتية للطاقة في الخليج بأكمله، وإحداث صدمة في أسواق الطاقة العالمية، نظراً لأن المنطقة تمثل أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير النفط في العالم.
استهداف الناقلات
التصعيد العسكري في البحر لم يقتصر على التهديدات السياسية، بل تحول إلى هجمات فعلية على السفن.
تشير تقاررير ملاحية وإعلامية إلى تعرض ما لا يقل عن 16 سفينة تجارية وناقلة نفط لهجمات أو أضرار في مياه الخليج منذ اندلاع الصراع في 28 فبراير 2026، إضافة إلى حوادث أخرى وُصفت بأنها “نشاطات مشبوهة” قرب المضيق.
وشملت الهجمات ضرب ناقلات نفط بمقذوفات أو طائرات مسيّرة أو قوارب مفخخة، ما أدى إلى اشتعال حرائق في بعض السفن وإخلاء أطقمها، وسقوط قتلى بين البحارة في بعض الحوادث.
وتشير تقارير الملاحة الدولية إلى أن هذه الهجمات تمثل أخطر موجة استهداف للسفن في الخليج منذ “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي.
الكوارث النفطية
هذه التطورات أعادت إلى الذاكرة سلسلة من الكوارث النفطية الكبرى التي شكلت علامات فارقة في تاريخ الصناعة النفطية والبيئة البحرية.
ففي عام 1991 شهد الخليج نفسه أكبر تسرب نفطي في التاريخ عندما أُطلقت كميات هائلة من النفط في البحر خلال حرب الخليج، وقدرت الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي حجم التسرب بين 6 و8 ملايين برميل.
وقد غطت بقع النفط مساحات واسعة من مياه الخليج والسواحل، وتسببت في نفوق أعداد كبيرة من الطيور والكائنات البحرية، فيما استغرق التعافي البيئي سنوات طويلة.
وفي عام 2010 وقعت كارثة “ديب ووتر هورايزن” في خليج المكسيك عندما انفجرت منصة الحفر التابعة لشركة “بي بي”، ما أدى إلى تسرب نحو 4.9 ملايين برميل من النفط خلال 87 يوماً، في أكبر كارثة بيئية بحرية في تاريخ الولايات المتحدة.
أما في عام 1979 فقد انفجرت بئر “إكستوك-1” في خليج المكسيك، واستمر التسرب قرابة عشرة أشهر قبل السيطرة عليه، مع تدفق نحو 3.3 ملايين برميل من النفط إلى البحر.
كذلك لا تزال كارثة ناقلة النفط “إكسون فالديز” عام 1989 في ألاسكا من أكثر الحوادث شهرة، بعدما تسرب نحو 260 ألف برميل من النفط وتلوثت آلاف الكيلومترات من السواحل، ما دفع الولايات المتحدة لاحقاً إلى سن قوانين صارمة للحد من مخاطر التلوث النفطي.
التهديد البيئي
اليوم، ومع عودة المواجهة العسكرية إلى قلب أهم منطقة لتصدير النفط في العالم، يخشى خبراء البيئة والطاقة من تكرار سيناريوهات مشابهة ولكن على نطاق أوسع.
فوجود عشرات الناقلات في منطقة نزاع عسكري، إضافة إلى احتمال استهداف الموانئ أو المنشآت النفطية، مع إصرار الرئيس الأميركي على فتح المضيق بالقوة العسكرية، مقابل التهديدات الإيرانية باستهداف الناقلات، قد يؤدي إلى تسربات ضخمة يصعب احتواؤها سريعاً.
ويرى مختصون في أمن الطاقة أن الخطر لا يكمن فقط في توقف تدفق النفط، بل في احتمال وقوع كارثة بيئية إذا تعرضت ناقلة عملاقة أو منشأة تخزين ضخمة للقصف أو الانفجار.
فبعض الناقلات التي تمر عبر الخليج تحمل أكثر من مليوني برميل من النفط، وهو ما يكفي وحده لإحداث تلوث واسع في المياه والسواحل إذا تعرضت للغرق أو الاحتراق.

