+A
A-

كيف تصوغ الحرب ملامح انتخابات الكونغرس؟

في التاريخ السياسي الأميركي، كانت الانتخابات النصفية غالبا لحظة حساب. الناخب الأميركي، بعد عامين من انتخاب رئيسه، 

يذهب إلى صناديق الاقتراع ليقول رأيه في أداء الإدارة الحاكمة. أحيانا يمنحها الثقة، وأحيانا يوجه لها رسالة احتجاج، لكن القاعدة كانت دائما واحدة: إنها انتخابات داخلية بامتياز.

غير أن المشهد الأميركي اليوم يبدو مختلفا؛ فقبل ثمانية أشهر من انتخابات الكونغرس للعام 2026، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام ظرف استثنائي. السياسة الداخلية تعيش استقطابا حادا، والشرق الأوسط عاد فجأة إلى مركز المسرح الأميركي مع إطلاق العملية العسكرية ضد إيران، التي حملت اسما ذا دلالة “الغضب الملحمي”.

هذه الحرب لم تبق في حدود الجغرافيا البعيدة؛ فالولايات المتحدة، منذ الحرب العالمية الثانية، تعلمت أن أي صراع خارجي كبير سرعان ما ينعكس على الداخل، سواء عبر الاقتصاد أو عبر المزاج السياسي العام. ولهذا فإن صناديق الاقتراع في نوفمبر المقبل قد تكون، في جزء كبير منها، استفتاء على قرار الحرب نفسه.

الحرب بوصفها أداة سياسية

في البيت الأبيض يدرك الرئيس دونالد ترامب أن لحظات الصراع الخارجي تحمل دائما فرصة سياسية؛ فالتاريخ الأميركي يقدم أمثلة واضحة على ذلك. أثناء الحرب العالمية الثانية ارتفعت شعبية الرئيس فرانكلين روزفلت، وفي أعقاب هجمات 11 سبتمبر قفزت شعبية جورج بوش الابن إلى مستويات قياسية.

الرهان هنا يقوم على فكرة قديمة في السياسة الأميركية تعرف بظاهرة “الالتفاف حول العلم”؛ فعندما يشعر المجتمع بوجود تهديد خارجي، يميل جزء كبير من الناخبين إلى دعم القيادة القائمة.

ومن هذا المنطلق، يقدم الخطاب الجمهوري العملية العسكرية ضد إيران بوصفها استعادة لهيبة الردع الأميركي. الرسالة واضحة: الولايات المتحدة، في عهد ترامب، لم تعد تقبل بسياسات التردد التي ميزت بعض الإدارات السابقة.

لكن المشكلة أن أميركا اليوم ليست أميركا الخمسينات أو حتى التسعينات؛ المجتمع الأميركي يعيش حالة استقطاب حاد، والولاءات الحزبية أصبحت أكثر صلابة مما كانت عليه في الماضي.

استقطاب داخلي عميق

الحرب، التي كان يفترض أن توحد الداخل الأميركي، كشفت في الواقع عن حجم الانقسام السياسي؛ فالديمقراطيون يجدون أنفسهم في معادلة معقدة؛ إذا دعموا العملية العسكرية بشكل كامل فقد يخسرون جزءا من قواعدهم التقدمية الرافضة للحروب، وإذا عارضوها بشدة فقد يتهمهم خصومهم بالضعف في قضايا الأمن القومي.

هذه المعضلة ليست جديدة في السياسة الأميركية؛ فقد واجه الحزب الديمقراطي وضعا مشابها أثناء حرب العراق بالعام 2003، عندما انقسمت قياداته بين مؤيد للتدخل العسكري ومعارض له.

أما الجمهوريون، فيحاولون استثمار هذه اللحظة لتكريس صورة ترامب بوصفه قائدا قويا في زمن الأزمات؛ فالحملة الانتخابية بدأت عمليا، حتى قبل أن تبدأ رسميا.

الاقتصاد يدخل المعركة

لكن الحروب لا تُقاس فقط بالخطابات السياسية؛ فالناخب الأميركي، في نهاية المطاف، ينظر إلى جيبه. وإذا كان الشرق الأوسط اليوم ساحة العمليات العسكرية، فإن تأثير الحرب قد يظهر سريعا في محطات الوقود الأميركية.

أسعار الطاقة، خصوصا، تمثل عاملا حساسا في المزاج الانتخابي؛ فالولايات المتحدة، على رغم تحولها إلى أحد أكبر منتجي النفط في العالم، ما تزال مرتبطة بأسواق الطاقة العالمية. وأي اضطراب في المنطقة قد ينعكس على الأسعار في الداخل الأميركي.

وإذا ارتفعت أسعار النفط، فإن ذلك قد يعني زيادة معدلات التضخم، وهو الملف الذي يشغل الناخب الأميركي أكثر من أي قضية خارجية.

ولهذا فإن الحرب ضد إيران ليست فقط قضية أمن قومي، بل أصبحت أيضا قضية اقتصادية بامتياز.

الهوية الحزبية

هناك أيضا بعد آخر في هذه المعادلة، يتعلق بالهوية السياسية؛ ففي السنوات الأخيرة، شهدت الولايات المتحدة تحولا واضحا في الخطاب الحزبي بشأن دور أميركا في العالم.

الجمهوريون يميلون إلى خطاب القوة والردع، بينما يدعو جزء من الديمقراطيين إلى تقليص الانخراط العسكري في الخارج والتركيز على القضايا الداخلية.

لكن الواقع السياسي غالبا ما يكون أكثر تعقيدا من الشعارات؛ فحين تقع الأزمات الكبرى، تضطر الأحزاب إلى إعادة صياغة مواقفها بسرعة.

لهذا يمكن القول إن انتخابات 2026 لن تكون مجرد محطة عادية في التاريخ السياسي الأميركي. إنها انتخابات تجري في لحظة تتقاطع فيها السياسة الداخلية مع الصراعات الدولية.

الناخب الأميركي سيذهب إلى صناديق الاقتراع وهو يحمل في ذهنه أسئلة متعددة: هل كانت الحرب ضرورية؟ هل حققت أهدافها؟ أنعكست إيجابا أم سلبا على حياته اليومية؟

هذه الأسئلة قد تبدو بعيدة عن ساحات القتال في الشرق الأوسط، لكنها في الحقيقة جزء من المعركة نفسها.

ففي النهاية، السياسة الأميركية لطالما أثبتت أن الصناديق الانتخابية ليست منفصلة عن العالم، بل إن العالم، في كثير من الأحيان، يذهب معها إلى صناديق الاقتراع.

 

الصورة الشهيرة التي جمعت روزفلت مع الزعيم السوفياتي ستالين ورئيس الحكومة البريطانية تشرشل أثناء الحرب العالمية الثانية

 

الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش يحيّي البحارة بعد هبوطه بطائرة من طراز “S-3B Viking” على متن حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” في 1 مايو 2003 في عرض البحر قبالة سواحل كاليفورنيا