+A
A-

نظام المدفوعات الرقمي لـ “بريكس” يحد من الهيمنة الأميركية على التجارة العالمية

لم تعد التحركات التي تقودها دول “بريكس” مجرد تجارب تقنية في أنظمة الدفع، بل باتت تعبيرًا واضحًا عن تحوّل أعمق في بنية النظام المالي العالمي؛ فاعتماد تسويات تجارية بالعملات المحلية، وربط أنظمة الدفع الوطنية، وتوسيع استخدام الأدوات الرقمية عبر البنوك المركزية، كلها خطوات تستهدف كسر “الضرورة” التاريخية للمرور عبر الدولار الأميركي في التجارة الدولية، لا إعلان القطيعة معه. إنها عملية إعادة تموضع هادئة، لكنها ذات أثر تراكمي.

في جوهر هذا التحول، تسعى دول “بريكس” إلى تعزيز سيادتها المالية وتقليص تكلفة المعاملات ومخاطر التسييس المالي؛ فكل صفقة تُسوّى خارج الدولار تعني تقليصًا نسبيًا للطلب الهيكلي عليه، وتخفيفًا لاعتماد الدول على منظومة مالية تملك الولايات المتحدة مفاتيحها. هذا لا ينعكس فورًا على مكانة الدولار، لكنه يفتح مسارًا جديدًا تتوزع فيه الوظائف النقدية بين أكثر من عملة، بدلا من تمركزها في واحدة.

اقتصاديًا، تستفيد الولايات المتحدة منذ عقود من وضع الدولار كعملة تسوية واحتياط وتمويل ديون؛ ما يمنحها قدرة فريدة على إدارة عجزها وتوسيع نفوذها السياسي. ومع توسّع التسويات البديلة، قد يتراجع هذا الامتياز تدريجيًا؛ انخفاض بطيء في الطلب على الدولار، وتنويع أكبر في احتياطيات البنوك المركزية، وتآكل نسبي لفعالية العقوبات المالية. ومع ذلك، تظل الأسواق الأميركية الأعمق والأكثر سيولة؛ ما يعني أن الأثر سيكون بطيئًا ومحدودًا في المدى القريب.

العالم لا يغادر الدولار.. لكنه يتعلم كيف يعيش من دونه عند الحاجة

أما العملات المقوّمة أو المرتبطة بالدولار، فلن تتأثر جذريًا طالما بقي الدولار مرجعًا رئيسًا للتجارة والطاقة، غير أن الاتجاه نحو تعددية التسويات قد يخلق مرجعيات مزدوجة، حيث يتعايش الدولار مع عملات إقليمية أو وحدات تسوية خاصة في قطاعات بعينها، وهو ما يعيد تشكيل مفهوم “العملة العالمية” من احتكار أحادي إلى شبكة نفوذ متداخلة.

في هذا السياق، تبرز دول الخليج كلاعب محتمل، لكن بحسابات دقيقة؛ فارتباط عملاتها بالدولار واستقرارها المالي القائم عليه يجعلان أي انتقال جذري أمرًا غير واقعي، إلا أن المشاركة الانتقائية في أنظمة الدفع الجديدة، أو إجراء تسويات محدودة بعملات غير الدولار مع شركاء استراتيجيين، تبدو خيارًا منطقيًا ضمن سياسة تنويع الأدوات لا تغيير الركائز.

في المحصلة، ما تشهده الساحة المالية اليوم بداية انتقال من عالم أحادي القطب نقديًا إلى نظام أكثر تعددية. الدولار لن ينهار، لكنه لن يبقى وحيدًا، ودول “بريكس”، ومعها قوى إقليمية أخرى، تضع لبنات نظام يحدّ من الهيمنة المطلقة ويمنح الدول مساحة أوسع للمناورة. إنه تحول بطيء، لكنه عميق، وقد تكون آثاره السياسية على المدى البعيد أهم من نتائجه الاقتصادية المباشرة.