أكثر من مئة عام تفصلنا عن إطلاق أول مدرسة نظامية للبنات في مملكة البحرين، وهي مدرسة خديجة الكبرى في المحرق، “يوبيلان” من الذهب تتوج بهما مملكتنا الغالية في قطاع التعليم النظامي للبنات الذي بدأ مبكرا قبل سواه في المنطقة، وربما أسوة بمناطق أخرى كثيرة من العالم.
تعليم البنات في البحرين، ومع إشراقة صباح يومنا هذا، تكون قد استكملت مرور مئة عام على تأسيس أول مدارسها النظامية، تلك المسيرة المباركة التي جعلها قادتنا عطلة رسمية نحتفي فيها بالذكرى؛ لكي لا ننسى بأن بلادنا عرفت التنوير وأتقنته بينما كانت تغط بلدان أخرى كثيرة في هذا العالم بسبات عميق، واليوم نراها تنافس في مجالات الرقمية والمعلوماتية والتكنولوجيا السحابية الفارقة.
اليوم نرى من كانوا خلفنا وهم يساهمون في بناء الحضارة الإنسانية الحديثة بإنتاج التكنولوجيا بدلا من استهلاكها، وفي تصدير المعرفة بدلا من استيرادها، وفي تشكيل أفواج رقمية على هيئة خريجين وخريجات وبشر وروبوتات، وهي تنتج في معاملها أهم العناصر الوجودية التي تكشف عن أسرار هذا الكون الرهيب، وتشارك في تسيير حركته بوعي علمي تام، وبصرامة بحثية تتوافق مع تحديات المرحلة.
من هنا طالبنا منذ المهد بضرورة ربط التعليم بالخطط التنموية الشاملة للمملكة، وأن يكون البحث العلمي جزءا لا يتجزأ من منظومة المجتمع باحتياجاته وترهاته ومشكلاته ومفاصله. طالبنا بأن يكون لدينا تعليما مواكبا لاحتياجات سوق العمل، وطالبنا بأن يكون خريجونا مؤهلين بما فيه الكفاية كي يصبحوا الخيار الملائم والمفضل أولا لدى أصحاب الأعمال وأسواق العمل في أي زمان وأي مكان.
من هنا، فإننا لم نرضَ بأن يكون لدينا خريج لم يحصل على كفايته من التدريب المستمر، ولا من التأهيل المتواكب مع التقدم العلمي البازغ، ولا التجهيز والإعداد لأجيال رقمية مواكبة لحركة التحديث، فاهمة لمتطلبات واحتياجات سكان هذا العصر.
قديما قالوا: “اطلبوا العِلم ولو في الصين”، كناية عن ضرورة التحصيل العلمي حتى لو كان وطنه نهاية هذا العالم، عندما كانت الصين حسب المعتقد البدائي بعيدة كل البعد عن حدودنا الجغرافية، وعن طبيعتنا الإنسانية والعقائدية المختلفة. واليوم، وقد جاءت التكنولوجيا لنا بكل ما هو قريب، وكل ما هو متعايش معنا، وكل ما هو أشد بأسا منا ونحن نبحث عن علم المعرفة لاهثين خلف كل ما هو جديد، وكل ما هو مؤكد، وكل ما هو تحت تأثير الحاجة يقف مستعدا لاستقبال كل العلوم والفنون والآداب القابلة لـ “الرقمية” بصدر رحب، وليس بأفق وعقل مغلقين، بانفتاح على خوارزميات السحابية المتقدمة بكل نموها وسرعة حركتها، وضخامة إحداثياتها.
لذلك؛ فإن دعوتنا لهذا الوطن الكريم في ذلك اليوم المهيب، لا يمكن لها أن تخرج عن ضرورة “طلب العِلم ولو كان لدى أقرب المقربين”، وليس “طلب العِلم ولو حتى في جمهورية الصين”، دعوتنا أن تكون مناهجنا وأستاذنا الجامعي على مستوى التحدي، وأن يكون خريجنا الجامعي مستعدا لخوض معارك التعليم الرقمي بقلب يملؤه الحب والشجاعة والقدرة على استقبال كل ما هو جديد باحترافية وتَمَكُّن شديدي التوغل في علوم الفكر الإنساني المعاصر، وليست تلك التي تنأى به عن حاجات عصره، وأمنيات ذويه، وأحلام مجتمعه وقادته له.
الأول من فبراير 2026 رقم قياسي سوف تذكره “الأبجدية”، وتردده العلوم المعرفية؛ كونه “ترند” اللحظة الزمنية الفارقة التي نعيشها فخورين بوطننا، مهنئين قادتنا ورجال التعليم الأوفياء عبر الزمن، ومقدرين تلك الجهود الكبيرة التي يبذلها المسؤولون عن منظومة التعليم والتدريب عموما، والتعليم العالي على وجه الخصوص، من أجل الارتقاء بإنسان هذا الكوكب، وتمكينه من التعليم “المعصرن” الذي يضعنا على أعتاب النهضة والحضارة والتقدم العلمي المثير.
كل مئة سنة وتعليمنا بخير، وبلادنا الحبيبة البحرين في تقدم و “تعليم” وازدهار.