العدد 6310
الجمعة 23 يناير 2026
ما الذي يجمع البشر؟
الجمعة 23 يناير 2026

سؤال راودني بهدوءٍ عميق بعد أن أنهيت رحلة جماعية إلى واحدة من أجمل بقاع الأرض. سؤال لم يأتِ فجأة، بل تسلّل ببطء، مع آخر صورة، وآخر ضحكة، وآخر وداع قلنا فيه “إلى لقاء قريب”، ما الذي يؤلّف بين قلوب وعقول جاءت من خلفيات وثقافات متعددة، ومن فئات عمرية مختلفة؟ وما الذي يجعلنا نحتضن غرباء، كأنهم من بقية العائلة، أو أصدقاء طفولة لم يغادروا ذاكرتنا وحياتنا يوما؟

كانت رحلةً لم تتجاوز عشرة أيام، لكنها وبحسب مقياس الروح كانت عمرًا مكثفًا، وحياة مضافة لحياتنا، كانت أياما صنعت لنا عائلة تنبض بالمحبّة، والألفة، عائلة امتدّ ظلّها من غرباء قادمين، يحمل كلٌّ منهم قصة مختلفة: أوجاع مؤرِّقة، أحلام مؤجَّلة، محاولات حثيثة للبحث عن الحياة.. ومع ذلك، حين التقينا، لم نحتج إلى تعريفاتٍ مطوّلة ولا إلى جسورٍ مصطنعة، امتزجنا وكأن القلب يعرف قبل العقل، وكأن الإنسان في داخله يميّز الإنسان الآخر دون شروط، وكأنه لم يكن أول لقاء يجمعنا.

يقول جبران خليل جبران: “المحبّة لا تُعطي إلا ذاتها، ولا تأخذ إلا من ذاتها”، ولعلّ ما جمعنا حين التقينا هو هذا الفيض الإنساني غير المشروط، والحاجة للشعور بالأمان، التقينا وسمحنا للآخر أن يكون كما هو بلا إملاءات وتحذيرات مسبقة، أن يكون هو بلا أي تأطير.

ما جمعنا لم يكن تشابهًا في الملامح ولا تقاطعًا في السِّير، ما جمعنا كان احتياجنا العميق للتواصل، والرغبة في التعاون، والبحث عن الحبّ وسط ضجيج العالم، والخوف الذي نخفيه بابتسامة، والحزن الذي يلين حين يجد من يسمعه، والفرح الذي لا يكتمل إلا إذا شاركناه.. جمعنا ميلٌ فطريٌّ للتقدّم، وشجاعةٌ خجولة لمواجهة المخاوف، وخوض تجارب جديدة، وأملٌ مشترك بمستقبل أقل قسوة، وأكثر رحمة.

للشاعر محمود درويش نص باذخ يصف حال البشر دوماً: “نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا”، وكانت تلك الرحلة سبيلًا صغيرًا للحياة، مساحة نمارس فيها إنسانيتنا دون أقنعة، ونختبر مشاعرنا كما هي، بلا خوفٍ من الحكم أو من الاختلاف.

أصدقاء الصُّدف والمغامرات الجميلة.. أولئك الذين يدخلون حياتنا دون موعد، ويغادرون وهم يتركون أثرًا لا يُمحى. أصدقاء الفرح، لا لأنهم لا يعرفون الحزن، بل لأنهم يختارون أن يصنعوا للفرح معنى رغم كل شيء، لكلٍّ منهم نكهة، ولكلٍّ ذكرى، ولكلٍّ موقفٌ يبقى حاضرًا كلما ابتسمنا من غير سبب.

يقول نجيب محفوظ: “أعظم ما في الإنسان أنه قادر على أن يبدأ من جديد”، وكأن اللقاء بالآخرين يمنحنا هذه القدرة من جديد، أن نعيد تعريف أنفسنا، وأن نكتشف الأشياء وكأننا نراها لأول مرة، وأن نرى الحياة بعيون الآخرين ومن زوايا لم نكن ننتبه لها، وأن نكتشف أن الاختلاف ليس عائقًا بل منحة وثراء إنسانيا عظيما.

على اختلافنا، وعلى تباين توجهاتنا، اجتمعنا على مسار واحد.. مسار الباحثين عن الفرح، الباحثين عن الحياة. مسار أولئك الذين يؤمنون ولو لبرهة أن العالم يمكن أن يكون ألطف حين نتقاسمه، وأن الإنسان يظلّ أعظم ما فيه.

وها هي الحكاية تنتهي ظاهريًا، لكنها في الحقيقة تبدأ كلما تذكّرنا أن ما يجمع البشر ليس المكان ولا الزمان، بل تلك اللحظة الصادقة التي نلتقي فيها كقلوب عارية من التكلّف، وكأرواح تتعرّف إلى بعضها البعض.. بلا مقدمات.

اللحظات الجميلة قد تنتهي بانتهاء المكان أو الموقف، وربما تُطوى كلما نزلنا من الطائرة وغادرنا المحطة، لكن أثرها لا يرحل سريعًا، يبقى مقيمًا في الذاكرة أيامًا طويلة، وأحيانًا عمرًا كاملًا. يظلّ الشعور حاضرًا، يوقظه موقف عابر، أو أغنية، أو صورة، فنبتسم دون قصد وكأن اللحظة تعود لتطرق القلب من جديد.
والعاقل ليس من يُحسن صناعة اللحظة فحسب، بل من يعرف كيف يحافظ على العِشرة، ويصون الذكريات، ويمنحها فرصة الاستمرار في دفاتر العمر، لأن بعض العلاقات لا تُقاس بطول الوقت، بل بعمق الأثر.

وكما يقول جبران خليل جبران: “إنما القيمة الحقيقية في العلاقات ليست في دوامها، بل في الأثر الذي تتركه في الروح”.

*كاتبة ومستشارة في العلاقات العامة وصناعة الصورة الذهنية 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية