“مع أني ما حكيت شي جديد، أصلاً ما عم أحكي أي شي، عم أحكي أي كلام بصراحة، بس كلامي عم يصير له أهمية بسبب الموسيقى، الحقيقة إن الموسيقى لما تدخل على الكلام بترفعه درجة ويمكن درجات.. “، بهذه الجملة افتتح الموسيقار السوري إياد الريماوي أمسيته الموسيقية في مدينة الرياض. جملة اختزلتها اليوم لتكون السؤال والمدخل لحديثي الخافت معكم، كيف تضفي الموسيقى صوتا للكلام المكبوت في دواخلنا؟ وكيف تتغير ملامحنا مع تغير الألحان والإيقاعات؟
سر البشرية الأزلي، ولغته الخفية التي تخاطب ما لا تستطيع الكلمات الوصول إليه، حيث أدرك الإنسان منذ الأزل أن للموسيقى قدرة استثنائية على لمس النفس، تشكيل الطباع، وفتح نوافذ شعورية لا تفتحها اللغة وحدها.
حيث تنبه الفلاسفة الأوائل إلى هذا الأثر العميق. أفلاطون رأى أن الموسيقى تمنح الروح جناحين، وترفع الإنسان من واقعه إلى أفقٍ أوسع من الخيال والمعنى، بينما ذهب أرسطو إلى أن الموسيقى لا تكتفي بإمتاع النفس، بل تُسهم في تهذيب الأخلاق وتشكيل السلوك، لأنها تدخل إلى أعماق الإنسان دون حواجز أو مقاومة. وفي تراثنا العربي، قدّم الفارابي فهمًا بالغ الدقة لتأثير الألحان، مؤكدًا أن ترتيب النغم قادر على تحريك النفس نحو الفرح أو الحزن أو السكينة.. فالموسيقى، ليست محايدة، هي قوة مؤثرة، إما أن تهدّئ الروح أو توقظها، إما أن تُرمم الداخل أو تُعيد فتح جراحه.
فالجمل والعبارات الموسيقية بعكس الكلمة تترك للمتلقي مجالا للتأمل والتأويل، فتلامس شغاف الروح، ويظهر تأثيرها على الهالة قبل أن يُنطق الحرف، وفي هذا الموضع يقول الباحث ثروة عكاشة: “تبدأ الموسيقى من حيث تبطل قدرة الألفاظ على نقل المعاني والأفكار بصدق وشفافية”.
وبالعودة لعبارة إياد الريماوي نجد أن الكلمات، مهما بلغت فصاحتها، تظل محدودة أمام اتساع الشعور الإنساني والنغمة، فهنا تتقدم الموسيقى خطوة إلى الأمام دوماً، أو كما يقول فيكتور هوغو: “إن الموسيقى تعبّر عمّا لا تستطيع الكلمات قوله، وما لا يمكن للصمت أن يحتمله”. فهي صوتنا حين تضيق اللغة، والملاذ الأخير للمشاعر التي تبحث عن مخرج لتصرخ.
ولهذا ارتبطت الموسيقى بالشعر، وبالخطاب العاطفي والإنساني العميق. أو كما لخص الشاعر نزار قباني هذه العلاقة حين قال: “إن الكلمات حين تعجز، تبدأ الموسيقى”.
هل لاحظتم مدى انسجام العازفين مع أوتارهم، وكيف نرى تغير ملامحهم قبل أن تصلنا النغمة؟ يخيل لي أن أرواحهم تتجول على الطرف الآخر من العالم مع كل ضربة على الوتر أو الإيقاع، هذا لأن الموسيقى لا تمرّ عبرنا كصوتٍ ضل سبيله، بل تخترق مشاعرنا لتوازننا من الداخل وتعيد ترتيب مشاعرنا.. فتظهر آثارها على ملامحنا قبل أن ننتبه نحن إليها.
في حياتنا اليومية، نرتدي أقنعة اجتماعية عديدة نتحكم بتعابيرنا، نضبط انفعالاتنا، ونتعلم كيف نخفي ما نشعر به. لكن حينما تأتينا الموسيقى ولو من بعيد تتعطل أنظمتنا، ونفقد السيطرة على ملامحنا، ونقف دقيقة صمت لنتجاوز الإعصار الذي تحمله النغمة قبل أن تتغير وجوهنا.. الوجه الذي يشعر قبل أن يفكر، ويصدق قبل أن يتكلم.
فنحن حين ننصت بصدق، أو نغرق في العزف، تسقط الدفاعات، ويظهر الوجه كما هو بلا أقنعة تمثل، تزيف، تخبئ، يصبح وجها يشعر فقط.. لذلك نرى ملامح مختلفة أثناء الموسيقى، ملامح أكثر صدقًا، أقل تصنّعًا، نظهر معها كما نحن وأقرب إلى جوهرنا بعيداً عن أية معايير للجمال.
للموسيقى أيضاً علاقة خاصة بالذاكرة، لحنٌ واحد قد يعيدنا إلى زمن بعيد، إلى مشاعر كنا نظن أننا تجاوزناها. الروائي الفرنسي مارسيل بروست رأى أن الألحان تستدعي الذكريات بصدقٍ يفوق الكلمات، لأنها لا تمر عبر التفسير، بل عبر الإحساس المباشر.
ولهذا، تصبح الموسيقى جزءًا من هوية الإنسان وطباعه، ما نسمعه يعكس ما نحن عليه، وما نحتاجه، وما نفتقده. هي مرآة داخلية، تكشف ملامح النفس دون أن تطلب الإذن.
ربما كان نيتشه أكثرهم اختصارًا وصدقًا حين قال: “من دون الموسيقى، ستكون الحياة خطأً”. فالموسيقى ليست إضافة جمالية إلى حياتنا، بل عنصرًا أساسًا في توازننا النفسي والوجداني. هي المساحة التي نتنفس فيها حين يضيق الواقع، واللغة التي نلجأ إليها حين يخوننا الكلام.
كاتبة ومستشارة في العلاقات العامة وصناعة الصورة الذهنية