+A
A-

البحرين توثق قرنًا من الإبداع المسرحي في احتفالية وطنية كبرى بالمحرق

من مدرسة الهداية الخليفية، ذلك الصرح التعليمي العريق والشاهد الحي على البدايات الأولى عام 1925، احتفت هيئة البحرين للثقافة والآثار بمرور مئة عام على انطلاق الحركة المسرحية في مملكة البحرين، وإطلاق معرض مئوية المسرح البحريني بعنوان "100 عام من المسرح البحريني"، ليمزج بين عبق الماضي وطموح الحاضر في مشهد ثقافي مهيب، بحضور الشيخ خليفة بن أحمد بن عبدالله آل خليفة رئيس هيئة البحرين للثقافة والآثار والأستاذة هالة الأنصاري، مستشار جلالة الملك للشؤون الثقافية والعلمية، إلى جانب لفيف من المسؤولين والفنانين والإعلاميين والمهتمين والحضور من ممثلي الصحافة والمدعوين.

لم يكن المعرض مجرد رصد عابر للسنوات، بل جاء كرحلة بصرية ووثائقية غنية أتاحت للحضور الانغماس في تفاصيل الذاكرة الوطنية؛ فبين الصور النادرة والوثائق التاريخية والملصقات التي أرخت لأعمال خالدة، استطاع الزوار تتبع مسيرة الرواد الأوائل الذين وضعوا اللبنات الأولى لهذا الفن، وكيف تطورت أدواتهم وأفكارهم لتواكب العصر وتصيغ وجدان المجتمع البحريني عبر العقود.

وبالمناسبة أعرب رئيس هيئة البحرين للثقافة والآثار عن سعادته في تلك "الليلة الاستثنائية" كما وصفها، إذ لا يجسد هذا الاحتفاء مناسبة ثقافية عابرة، بل القيمة الرفيعة التي تحظى بها الأعمال المسرحية في التراث العربي. وأكد على أهمية الاستمرار في الارتقاء المسرحي وإثراء التاريخ البحريني من خلاله، مما يعزز حضور المسرح البحريني محليًا ودوليًا. كما أشاد بإسهامات الرواد الأوائل في تطور المسرح، مبيناً الاستعداد الكامل من هيئة الثقافة والآثار لمواصلة دعم الطاقات الوطنية بما يواكب الحاضر وتطلعات المستقبل، إلى جانب تعزيز الشراكة مع المؤسسات الثقافية لتنظيم مختلف الفعاليات والمهرجانات المسرحية.

وفي تصريح خاص للبلاد عبّر الفنان محمد الصفار، رئيس مجلس إدارة اتحاد جمعيات المسرحيين في مملكة البحرين، عن سعادته بهذا الإنجاز، واصفًا إياه بأنه احتفال بالقيم الإنسانية المترسخة في الضمير البحريني، وقال "إن الاحتفال بالمسرح يعد احتفالًا بالقيم الإنسانية الموجودة في ضمير الإنسان البحريني"، مع الثناء والتقدير لجهود هيئة البحرين للثقافة والآثار التي تقدم كامل الدعم لتوطيد حركة المسرح في مملكة البحرين، وذكر أن المسرحية البحرينية لها قيمة راسخة على الساحة الدولية؛ أي أنها تعدت الساحتين الخليجية والعربية، ويعود الفضل في ذلك إلى المسرحية الأولى التي قدمها طلبة مدرسة الهداية الخليفية، وأضاف أن المسرح كلمة ومسؤولية ملقاة على عاتق كل فنان بحريني.

وضمن فعاليات الحفل، دشن المؤلف المسرحي والأستاذ خالد الرويعي كتابه "ذاكرة المسرح البحريني"، وذلك للمساهمة في توثيق قرن من التحولات والجماليات، وأفاد بأن الفن المسرحي هو جزء أصيل من التكوين الثقافي والوعي الجمعي، وتطرق إلى الحديث عن أول عرض مسرحي في عام 1925، الذي تبين فيه أن المسرحية ليست مجرد عرض عابر، وإنما هي مساحة للتفكير والبناء. أما المصادفة التي جمعت بين مئوية المسرح البحريني وعام عيسى الكبير فتؤكد على أن المسرح البحريني هو مسار حي متجدد لن ينقطع.

وفي ختام الحفل، كرمت هيئة البحرين للثقافة والآثار رواد المسرح تقديرًا لبصمتهم الواضحة في تاريخ المسرح البحريني، كما تضمن الحفل فيلمًا يوثق مسيرة الحركة المسرحية في مملكة البحرين، مستعرضًا محطاتها وتحولاتها احتفاءً بهذه المئوية. وقامت السيدة فرح محمد مطر، مدير عام الثقافة والمتاحف لدى الهيئة بتكريم عدد من نجوم المسرح والفن البحريني بهذه المناسبة.

تُعدّ مئوية المسرح البحريني محطة بارزة في مسيرة الحراك الثقافي والفني في المملكة، إذ تعود البدايات إلى عام 1925 عندما قدّم طلاب مدرسة الهداية الخليفية للبنين في المحرّق أول عمل مسرحي مدرسي موثّق في البحرين، ما شكّل لحظة انطلاق فعلية للحركة المسرحية البحرينية. وعلى مدى مئة عام، تطوّر هذا الحراك ليشمل تأسيس عدد من الفرق المسرحية الأهلية النشطة مثل مسرح أوال، مسرح الصواري، مسرح الريف، مسرح البيادر ومسرح جلجامش، والتي أصبحت منصات حقيقية لإنتاج العروض المسرحية وتطوير الكفاءات الفنية الوطنية، من مخرجين وممثلين وكتّاب، وقد نجحت هذه الفرق في تمثيل البحرين في المحافل المسرحية الخليجية والعربية والعالمية والفوز بالعديد من الجوائز المرموقة.