في تقرير دولي جديد
دول الخليج العربي تنتقل من طاقة الأرض إلى اقتصاد الفضاء
في تحول استراتيجي تاريخي، تتحول دول الخليج العربي من الاعتماد التقليدي على اقتصاد النفط إلى ريادة مستقبل اقتصادي جديد مبني على استكشاف الفضاء وتقنياته. يكشف تقرير جديد بعنوان "الاقتصاد الفضائي العالمي 2026: دول الخليج تتجه إلى الفضاء"، عن رحلة طموحة تقودها دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية مع بقية دول الخليج العربي لتصبح مهندسين فاعلين في المعمار الاقتصادي الفضائي العالمي، الذي يقترب حجمه من 613 مليار دولار.
حول هذا التقرير أوضح سعادة الدكتور محمد إبراهيم العسيري الرئيس التنفيذي لوكالة البحرين للفضاء "إن التقرير الذي أعده كيفن إم. أوكونيل، الخبير البارز في تجارة الفضاء والسياسات الفضائية لدى شركة "أزور إكس" للابتكار والفضاء الاستراتيجي، يرسم خارطة طريق تعتمد على الرؤى الوطنية الطموحة، ورأس المال الخاص، والشراكات العالمية. ويستند في تحليله إلى بيانات مؤسسات بحثية موثوقة مثل "مؤسسة الفضاء" و "سبيس كابيتال"، وتحليلات مراكز فكرية رائدة كـ "مجلس الأطلسي"".
كما أوضح سعادة الدكتور العسيري "إن التقرير أشار إلى أن التحول الخليجي نحو الفضاء يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية، وهي:
التحول الاستراتيجي والاستثمار الحكومي الحاسم: تُرجمت الخطط الطموحة مثل رؤية الإمارات 2071، ورؤية السعودية 2030، ورؤية عُمان 2040 إلى استثمارات ضخمة. وتوجت هذه الجهود بإعلان الإمارات عن حزمة استثمارية جديدة بقيمة 12 مليار دولار لتعزيز الاتصالات والمراقبة الأرضية وجذب رأس المال الخاص.
انطلاق القطاع الخاص وريادة الأعمال: يشير التقرير إلى أن 80% من الاقتصاد الفضائي العالمي تقوده الآن منظمات تجارية. في منطقة الخليج العربي، برزت شركات راسخة مثل "عربسات" و "سبيس 42" الإماراتية و "نيو سبيس جروب" السعودية، إلى جانب شركات ناشئة مبتكرة مثل "أوربت ووركس" و "ليب 71" و "مدارى سبيس". كما شهد الربع الثالث من 2025 استثمارات قياسية عالمية في قطاع الفضاء بلغت 5 مليارات دولار.
التخصص والتعاون الإقليمي والدولي: بدلاً من المنافسة المباشرة، تتجه الدول الخليجية نحو التخصص وفقًا لمزاياها. فالإمارات تعزز خبرتها في الاستكشاف العميق للفضاء والرحلات المأهولة، بينما تركز السعودية على قيمة البيانات الفضائية لإدارة الموارد والطاقة المتجددة، وتستعد عُمان لتكون مركزًا لإطلاق المركبات الفضائية خدمةً لمنطقة أوسع. فيما تنشط مملكة البحرين في مجال تحليل البيانات الفضائية والبحث العلمي المتخصص والقيادة والتخطيط مع جهود بارزة في بناء القدرات الوطنية في مجال التصنيع والاختبار للحمولات الفضائية والأقمار الصناعية. ويتعزز هذا التوجه العام عبر مشاريع تعاونية مثل القمر الاصطناعي العربي 813 للمناخ، والانضمام إلى اتفاقيات أرتيمس للاستكشاف القمري".
وأضاف سعادة الدكتور محمد العسيري "إن التقرير يرى أن يتجاوز الأمر الخطط المرسومة إلى إنجازات ملموسة تضع المنطقة على الخريطة الفضائية العالمية، مدعما هذا الرأي بعدد من الأمثلة ومن أبرزها:
الإمارات: أطلقت "إتحاد سات" أول قمر اصطناعي راداري، و "MBZ-SAT" الأكثر تطورًا في المنطقة للمراقبة الأرضية، وتستعد لهبوط تاريخي للمسبار "راشد 2" على الجانب البعيد من القمر أواخر 2026.
السعودية: تطور برنامجها للرحلات الفضائية المأهولة، وتستضيف مؤتمرًا رائدًا حول مخلفات الفضاء في يناير 2026، وتوسع خدمات الأقمار الاصطناعية عبر "نيو سبيس جروب".
تعاون تجاري عملاق: مثل الصفقة البالغة 640 مليون دولار بين الشركة الأمريكية "آي روكت" و"سبيس بيلت كي إس إيه" السعودية لعمليات إطلاق مداري".
وأختتم سعادة الدكتور العسيري حديثه بالإشارة إلى "إن مضمون التقرير يؤكد أن دول الخليج العربي لم تعد مشاركًا هامشيًا، بل أصبحت "مهندسة نشطة" لمستقبل الاقتصاد الفضائي العالمي. هذا التحول ليس تكنولوجيًا فحسب، بل هو جيوسياسي واقتصادي عميق، يجذب انتباه وشراكة القوى العالمية الكبرى من واشنطن إلى موسكو وبكين.
الاستثمار الصبور في التقنية والمواهب والشراكات يعيد رسم دور المنطقة من قوة طاقة أرضية إلى مُصمِّم مؤثر لمستقبل الفضاء. يُقدّم التقرير، بِلُغة الأرقام والتحليل الاستراتيجي، دليلًا واضحًا على أن رحلة الخليج العربي إلى النجوم هي أقرب إلى الواقع من الخيال، وهي رحلة سيكون لها صدى عميق في اقتصادات الغد وحوكمة الفضاء العالمية في العقود المقبلة بمشيئة الله".