300 مليار دولار من الأصول الروسية... فرصة تاريخية أم مقامرة تهدد استقرار أوروبا؟
منذ أن شنّت روسيا حربها على أوكرانيا في فبراير 2022، لم يقتصر الصراع على الجبهات العسكرية، بل امتد إلى ساحة المال والاقتصاد، حيث جمّد الاتحاد الأوروبي ودول مجموعة السبع أصولًا روسية تُقدّر بنحو 300 مليار دولار، معظمها يعود للبنك المركزي الروسي. ومع دخول الحرب عامها الرابع، تحوّلت هذه الأصول من ورقة ضغط محتملة إلى معضلة قانونية ومالية تهدد استقرار النظام المالي الأوروبي.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي قدّم لأوكرانيا تمويلًا تجاوز 187 مليار يورو حتى أغسطس الماضي، فإنه لم يتمكن من استخدام الأصول الروسية المجمّدة نفسها، بسبب مخاوف تتعلق بمبدأ الحصانة السيادية وتداعيات قانونية محتملة. المفارقة أن هذه الأموال، ولا سيما المودعة في مركز “يوروكلير” البلجيكي، حققت فوائد بمليارات الدولارات، من دون أن تُوظف فعلياً لدعم كييف، ما يعني أن العبء المالي يقع في النهاية على دافعي الضرائب الأوروبيين.
في بداية الحرب، طُرحت فكرة مصادرة الأصول مباشرة، ثم تراجع النقاش نحو استخدام عوائدها فقط كضمان لقروض تُمنح لأوكرانيا. إلا أن هذا المسار واجه اعتراضات قوية من دول رئيسية مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، إضافة إلى رفض صريح من المجر، التي يشكك رئيس وزرائها فيكتور أوربان في جدوى دعم أوكرانيا أصلًا، واصفًا استمرار التمويل الأوروبي بأنه “جنون محض”.
الموقف الأميركي لا يبتعد كثيرًا عن هذا التحفظ، إذ تفضّل واشنطن ربط أي استخدام للأموال الروسية باتفاق سلام مستقبلي، بحيث تُخصص لإعادة الإعمار بدلًا من تمويل الحرب.
وتجد بلجيكا نفسها في قلب هذه الأزمة، باعتبارها تحتضن نحو 70 % من الأصول الروسية المجمّدة عبر “يوروكلير”. فهي تواجه ضغوطًا أوروبية لاستخدام الفوائد، مقابل تهديدات روسية باللجوء إلى القضاء. ورغم مقترحات أوروبية لتقاسم المخاطر، حذّر رئيس الوزراء البلجيكي من أن استخدام هذه الأموال يمثل “مجازفة كبيرة”، في ظل احتمال تحمّل تعويضات ضخمة مستقبلاً. وقد بدأت هذه المخاطر تنعكس عملياً مع وضع وكالة “فيتش” مؤسسة “يوروكلير” تحت نظرة سلبية.
في المقابل، انتقلت روسيا من التهديد إلى الفعل القانوني، إذ رفع بنكها المركزي دعوى قضائية ضد “يوروكلير”، معتبرًا تجميد أصوله إجراءً غير قانوني. وعلى الرغم من صدور بعض الأحكام الأوروبية لصالح رجال أعمال روس، فإن استعادة الأصول تبقى معقدة سياسيًّا وإداريًّا.
أخيرًا، لجأ الاتحاد الأوروبي إلى مسار قانوني استثنائي باستخدام “البند الطارئ” لتجميد الأصول الروسية إلى أجل غير مسمى بالأغلبية المؤهلة، متجاوزًا اعتراضات بعض الدول. ويفتح هذا المسار الباب أمام قرارات أكثر حسمًا بشأن استخدام فوائد الأصول لدعم أوكرانيا، لكنه لا يبدد المخاوف من أن يتحول “الكنز الروسي” إلى لغم مالي وقانوني تحت أقدام أوروبا.
