
عندما أكتب عن البحرين، أكتب عن سيرتي وسيرة أقراني، وعن قصصٍ لا تخلو من أحداث تاريخية جميلة. أكتب عن أيام الطفولة، وعن ذلك الحسّ العروبي الذي كان ينعش أجواء البحرين في السبعينيات ويطيّب هواءها.
من الشعراء الذين أرّخت قصائدهم ودونت لهذه المشاعر العروبية الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة، رحمه الله تعالى، خصوصًا قصيدته الشهيرة “من خلقت الدنيا”:
من خلقت الدنيا واحنا هل البحرين
بالجود ويا الكرم والعز معروفين
احنا اللي في أرضنا كل الحلا والزين
واحنا اللي في بحرنا دانات منثورين
يمضي العمر عندنا ما تذكره السنين
بالجود ويا الكرم والعز معروفين
احنا القمر لي ظهر وقف ينادينا
حتى القمر عندنا يحب غناوينا
والعود ما قط سكت يحيي ليالينا
بالجود ويا الكرم والعز معروفين
لا توجد قصيدة استطاعت أن تجسد مشاعر نشوة الفرحة الجارفة بين عوائل البحرين كالتي جسدتها هذه الكلمات. كانت السبعينات أيام آمال وطموح ورغبة عارمة بالبناء بالاعتماد على سواعد الأبناء من خلال عقول الأبناء.
في تلك الفترة كان مغنٍ بحريني رائع يبرز بشكل تدريجي إلى السطح المحلي والعربي، وأقصد الفنان البحريني المميز أحمد الجميري، الذي عبّر بكلماته وأدائه عن روح تلك المرحلة. وقد قال في أحد اللقاءات الصحفية إنه يغني للأوطان بروح عاطفية تحمل مزيجًا من الحماس والهدوء والحنين، وهو ما يتجلّى تمامًا في أدائه.
والأغنية المهمة الأخرى هي قصيدة “يا الزينة ذكريني”، وهي من كلمات الشاعر عيسى بن راشد أيضًا، وغناء أحمد الجميري. وقد نجحت هذه القصيدة في التعبير نيابةً عن مشاعر ذلك البحريني الذي يعمل في كل مكان بجدٍّ وكدٍّ طلبًا للرزق الحلال، من دون أن يفقد شوقه إلى البحرين.
يا الزينة ذكريني لي غيّبتني بحور
وبشوق ناديني يمكن الدنيا اتدور
أرد ويا الصيف ولا الشتا لي رد
ولا مع الأشواق وقت الربيع والورد
لقد أبدع الشاعر في جعل “الزينة” رمزًا للمعشوقة الكبرى: البحرين. وقد رددها الناس في الأسواق والمجالس ومواقع العمل، لأنها لامست أعماقهم وأشعلت حنينهم.
والأغنية الثالثة التي رصدت مشاعر الفرحة هي قصيدة “خضر نشلج” للشاعر الراحل عبدالرحمن رفيع، والتي غناها أيضًا أحمد الجميري:
خضر نشلج على عودج تزينينه ولا يزينج
وأحب هالورد الدايم ربيع أحمر على خدودج
وأحب السحر الفتان ينبع نور من عيونج
…
أعرفج زين أعرفج
من المحرق وصيف العين بحريني.
وهكذا، تمضي الذاكرة بالبحرين عبر عقودٍ من المجد والمحبة، إلى حاضرٍ يزداد فيه الوطن عزًّا وتألقًا. إن ما نحمله في قلوبنا ليس مجرد حنينٍ لطفولة جميلة، بل ولاءٌ راسخ لتراب هذه المملكة الطيبة، واعتزازٌ لا يتبدّل بقيادتها الحكيمة.
فلِمليكنا المفدى صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ولولي عهده رئيس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، حفظهما الله، نُجدّد عهد الوفاء كما يجدد البحر موجَه كل صباح.
ولشعب البحرين الكريم، شعب المحبة والنخوة، نقول: أنتم نبض هذا الوطن وروحه، وبكم تستمر الحكاية التي بدأت منذ أن نُسجت أسطورة البحرين على لسان جلجامش.
فمنذ ما سُردت تلك الأسطورة
واحنا بالجود ويا الكرم والعز معروفين
واحنا بولائنا، وحبنا، وانتمائنا لهذه الأرض المباركة مستمرين.