العدد 6213
السبت 18 أكتوبر 2025
الشعلة يفتح ملف كيف غيّرت جائحة كورونا ملامح السياحة والتعليم
السبت 18 أكتوبر 2025

في مساء يوم 15 أكتوبر 2025، دشن الأستاذ عبدالنبي الشعلة كتابه الجديد “تحت حصار كورونا” (عن الدار العربية للعلوم ناشرون)، وهو عمل يندرج ضمن نوع أدبي يُدعى “حتى لا ننسى تلك الأيام”، ويعدّ هذا الكتاب بمثابة أرشيف حيّ لمقالات سردت فصولًا من التاريخ الإنساني خلال جائحة كوفيد - 19، حيث قسمت محتوياته إلى ثلاثة محاور رئيسة، عكست تأثير الجائحة العميق على حياة الإنسان وتاريخ المجتمعات البشرية.

ويبدأ الكتاب بدراسة “السياق” التاريخي لظهور الفيروس، ليكشف كيف تحول من حدث طبي إلى أزمة عالمية غيّرت مسار الاقتصاد والمجتمع. ثم يتناول بأسلوب تحليلي عميق من خلال فصوله المختلفة، وقع الفيروس على حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية، مؤكدًا أن الجائحة لم تقتصر على الجانب الصحي فقط، إنما تركت أثرًا جليًا على قطاعات حيوية مثل السياحة والتعليم.

ما لفت انتباهي بشكل خاص في هذا العمل “حتى لا ننسى تلك الأيام: تحت حصار كورونا”، هو التوقف عند تأثير الجائحة على الاقتصاد السياحي، وهو موضوع يتصل مباشرة بصناع القرار والمهتمين بتنمية المجتمعات المستدامة. فالسياحة، التي تُعد من الركائز الأساسية للاقتصاد العالمي وتوفر فرص عمل لملايين البشر، تضررت بشكل غير مسبوق. فوفقًا لتقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) لعام 2021، فإن القطاع خسر 1.2 تريليون دولار خلال أشهر قليلة. وتأثرت الدول النامية بشكل أكبر، حيث شهدت اقتصاداتها تراجعًا حادًا، مثل جامايكا وتايلاند، التي خسرت ما يصل إلى 11 % من ناتجها المحلي، بينما تأثرت البلدان الغنية أيضًا، خصوصا الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

وفي موازاة ذلك، أظهر الأستاذ عبدالنبي الشعلة في كتابه كيف أن الجائحة أطلقت شرارة تحول نوعي غير مسبوق في أنماط التشغيل والتعليم عبر العالم، حيث اضطرت المؤسسات التعليمية إلى اعتماد التعليم الإلكتروني بشكل سريع، كخيار وحيد لضمان استمرارية الدراسة.

تأثير كوفيد - 19 على القطاع السياحي العالمي

شهد القطاع السياحي، الذي يُعد مسؤولًا عن أكثر من 10 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ويشغل ملايين الموظفين حول العالم، اضطرابات غير مسبوقة. وفقًا لتقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) لعام 2021، تكبد هذا القطاع خسائر تقدر بـ 1.2 تريليون دولار، أو ما يعادل 1.5 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بعد حوالي أربعة أشهر من توقف الأعمال بسبب الجائحة.

علما أن السياحة ضرورية بشكل خاص لاقتصادات البلدان النامية مثل جامايكا، تايلاند، كينيا، ومصر، والتي تعتمد بشكل كبير على السياح الدوليين. على سبيل المثال، واجهت جامايكا وتايلاند تراجعًا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 11 % و9 % على التوالي. كما أن الدول الغنية مثل فرنسا، الولايات المتحدة، اليونان، وإيطاليا تكبدت خسائر كبيرة في الإيرادات بسبب انخفاض أعداد السياح الدوليين، ما أثر على الشركات المحلية، وفرص العمل، والدخل الوطني.

وترجع آثار الجائحة إلى ما تم اتخاذه من تدابير الإغلاق، والقيود على السفر، ما سبب انخفاض الدخل المتاح. والأهم من ذلك، أن توقف السياحة هدد آفاق التنمية للدول الصغيرة النامية التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على السياحة كمصدر رئيسي للدخل. ويؤكد تقرير UNCTAD أن “الأهمية الاقتصادية للقطاع ودوره كطوق نجاة لملايين حول العالم لا يمكن الاستهانة بهما”.

تأثير كوفيد - 19 على تعليم السياحة

توازيًا مع التداعيات الاقتصادية التي خلفها الوباء، شهدت الممارسات التعليمية تحولات جذرية وسريعة. إذ اضطرت الجامعات في مختلف أنحاء العالم إلى الانتقال الفوري إلى التعليم الإلكتروني، وغالبًا خلال أسابيع معدودة، لضمان استمرار تقديم البرامج الأكاديمية في ظل القيود المفروضة على التعلم الحضوري. وفي جامعة BTU كوتبوس الألمانية، كان قسم دراسات التراث العالمي (WHS) من أوائل الأقسام التي استجابت لهذا التحول، حيث قام بسرعة بتطوير وإطلاق برنامج ماجستير متخصص بالكامل وفق نموذج التعلم الإلكتروني، لضمان استمرارية العملية التعليمية بالرغم من ظروف الجائحة.

التحول في ممارسات التعليم: نموذج BTU كوتبوس

وفي مواجهة هذه التحديات، كان التعليم أحد القطاعات التي شهدت تغييرات جذرية، حيث اضطرت الجامعات حول العالم إلى اعتماد التعليم الإلكتروني بشكل فوري، كخيار أساسي لاستمرار العملية التعليمية. وفي هذا الإطار، كانت جامعة BTU  كوتبوس الألمانية من أوائل المؤسسات التي أطلقت برنامج ماجستير كامل عبر الإنترنت في قسم دراسات التراث العالمي  (WHS) والدراسات السياحية، بداية من تصميم المحتوى التعليمي وتقديمه بطريقة مرنة تتيح دراسته عن بعد.

ويتميز نموذج التعليم الإلكتروني في BTU بعدة مميزات جوهرية، منها:

o التعلم غير المتزامن: حيث تُقدم الوحدات الدراسية عبر مقاطع فيديو مسجلة، ومواد قرائية، واختبارات، تُتيح للطلاب الدراسة وفق جداولهم الخاصة.

o جلسات تفاعلية مباشرة: وتُعقد بشكل اختياري لتعزيز التفاعل بين الطلاب وأساتذتهم، وتوفير جو من النقاش الفعّال، يقارب البيئة الصفية التقليدية.

o مرونة الدراسة: إذ يمكن للطلاب اختيار الدراسة بدوام كامل أو جزئي، ما يقلل من العقبات المرتبطة بالفيزا، والتمويل، والالتزامات الشخصية.

o تكلفة منخفضة: حيث لا تتجاوز رسوم الفصل الدراسي 65 يورو، الأمر الذي يعزز من إتاحة التعليم العالي، خصوصا في ظروف اقتصادية صعبة.

وقد أثبتت هذه التجربة أن التعليم الإلكتروني لا يقتصر على مجرد توفير بديل مؤقت، بل يمكن أن يكون أداة فعالة لزيادة فرص الوصول، وتوفير مرونة أكبر للطلاب من كل أنحاء العالم، خصوصا للطلاب الدوليين الذين يواجهون قيود السفر والأوضاع الاقتصادية الصعبة.

لقد أظهرت التجربة أن التحول الرقمي، إضافة إلى مرونته، يعزز قدرة قطاعات التعليم والسياحة على التكيف مع التحديات المستقبلية، ويفتح آفاقًا جديدة للتطوير والابتكار. فشركات السياحة، والجامعات، والجهات المعنية بحاجة إلى تبني استراتيجيات مستدامة تراعي تكامل هذه القطاعات، وتوظيف التكنولوجيا بشكل أذكى، لتعزيز قدراتها على مواجهة الأزمات.

 

*اختصاصي تراث وسياحة

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .