العدد 6192
السبت 27 سبتمبر 2025
أرامكو في اليوم الوطني السعودي عزّنا برؤيتنا، بطموحنا، بأصالتنا، بطبعنا
السبت 27 سبتمبر 2025

في كل عام بتاريخ 23 سبتمبر، تنتفض المملكة العربية السعودية في احتفال ينبض بالفخر، إحياءً لذكرى توحيد المملكة عام 1932، على يد المغفور له بإذن الله الملك عبد العزيز آل سعود، طيب الله ثراه، ومن بين المؤسسات العديدة التي ترفع شعار الاحتفال، تبرز أرامكو السعودية — ليس فقط بحجم احتفالاتها، بل بما تحمله من دلالات رمزية تربطها بتاريخ نشأة السعودية الحديثة.

تعود جذور العلاقة بين أرامكو والهوية الوطنية إلى 4 مارس 1938، عندما اندفع النفط من بئر الدمام رقم 7، المعروف بـ”بئر الخير” (Prosperity Well). في تلك اللحظة، تغير وجه المملكة إلى الأبد. كان البئر أكثر من مصدر نفط؛ كان بداية رحلة السعودية نحو العصر الصناعي الحديث. ظل البئر يعمل حتى إغلاقه عام 1982، واليوم يقف كمعلم تاريخي ضمن متحف أرامكو، يروي قصة ولادة اقتصاد جديد وازدهار مستمر.

من الطاقة إلى بناء المجتمع: لم تكتفِ أرامكو بدورها الاقتصادي، بل غاصت في عمق المجتمع السعودي. في عام 1953، صدر العدد الأول من مجلة “القافلة” (qafilah.com)، لتصبح واحدة من أهم المجلات الثقافية في العالم العربي. وكما يوضح الباحث محمد العُصَيمي، الذي عمل رئيس تحرير للقافلة ومحررا رئيسا في مركز إثراء، فإن المجلة لم تكن مجرد إصدار داخلي، بل مشروع ثقافي متكامل يعمّق الحياة الفكرية ويفتح نوافذ على الأدب والفكر والتاريخ. منذ ذلك الحين، جسدت القافلة التزام أرامكو بخلق عمق ثقافي يوازي عمق التنمية الاقتصادية.

احتفالات بالثقافة والتراث والابتكار – رؤية أنثروبولوجية

بقيادة رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، يمضي الوطن نحو آفاق جديدة، وفي اليوم الوطني، تتحول فضاءات مجتمع أرامكو إلى مسرح سياحي حي للهوية الجماعية، حيث يصبح كل صوت، كل حركة، وكل ضوء لغةً للحياة المشتركة بين الإنسان ووطنه. المعارض والعروض الثقافية لا تقتصر على الترفيه؛ بل هي طقوس حضارية تعيد إنتاج الذاكرة الجماعية، إذ يتلاقى صوت الموسيقى التقليدية مع الرقصات الفلكلورية والحكايات الشعبية لتعيد صياغة التاريخ في وعينا المعاصر.

الأنشطة العائلية تمثل مختبرًا للتواصل بين الأجيال، حيث يصنع الأطفال أعمالهم الفنية كإعادة تفسير للتراث، بينما تشتبك أيدي العائلات في الورش التفاعلية لتخلق حوارًا مستمرًا بين الماضي والحاضر، بين الفرد والجماعة، بين الفعل الفني والمعنى الاجتماعي.

أما الفن والمعمار، فيصبحان أداة فلسفية لرؤية الوطن: المباني تتحول إلى لوحات ضوئية، وعروض ثلاثية الأبعاد تحيل الضوء إلى سرد بصري يروي قصة المجتمع، وتضع الناظر أمام تساؤل وجودي حول المكان، الزمن والانتماء.

الحملات الرقمية، من رفع العلم الافتراضي إلى التفاعل على منصات التواصل، تؤكد أن الهوية الوطنية لم تعد محصورة في المكان، بل امتدت إلى فضاءات افتراضية عالمية، حيث تصبح المشاركة في الاحتفال تجربة تواصلية كونية.

على مدى عقود، كانت معارض مثل “السعودية عبر الزمن” والوثائقية والأفلام القصيرة التي تنتهجا أرامكو جسورًا سياحية ومعرفية تربط بين الذاكرة الجماعية والحاضر، بين الفرد والمجتمع، بين ما هو محلي وما هو عالمي. هذه المبادرات ليست مجرد فعاليات، بل عمليات أنثروبولوجية حيّة تعيد تشكيل الوعي الثقافي، وتعكس الدور المستمر للشركة كفاعل حضاري يحفظ التراث ويصنع المستقبل.

ما الذي يجعل احتفالات أرامكو تجربة فريدة؟

“عندما يقرر السعوديون والبحرينيون والخليجيون والوافدون والزائرون أن يرفعوا قدامهم نحو قلب أرامكو في اليوم الوطني، فإنهم لا يأتون لمجرد حضور حدث؛ بل ليكونوا جزءًا من نبض جماعي يربطهم بجذور وهوية وطن. عشرات الآلاف من الموظفين وعائلاتهم مع الزائرين يشاركونك المكان واللحظة، فتشعر أن الفرح يشترك فيه كل قلب سعودي أو بحريني أو خليجي، وأنك واحد في تجربة وطنية موحدة.

في أروقة الاحتفالات، يلتقي التراث بالابتكار. هنا، لا تقتصر الرقصات الفلكلورية والألحان الشعبية على الماضي، بل تتلاقى مع عروض ضوئية حديثة وتقنيات ثلاثية الأبعاد، لتشعر أن الماضي والحاضر والحلم المستقبلي يتنفسون معًا في لحظة واحدة.

أرامكو تمنحك أيضًا نافذة على العالم: كل شعور فخر، كل ابتسامة، وكل مشاركة تترجم إلى رواية عالمية للهوية السعودية. من خلال حضورك، تصبح جزءًا من هذا الحوار الثقافي الدولي، حيث يرى العالم روح المملكة الحية.

أما مركز إثراء، فهو أكثر من مجرد مكان؛ إنه منارة ثقافية تشع المعرفة والفن والفكر. هنا تجد نفسك محاطًا بالعقول المبدعة، بالمعارض والورش، وبعروض تحاكي كل شعورك بالانتماء والفخر. إنه المكان الذي يتيح لك التواصل مع تاريخك، مجتمعك، وإبداعك الشخصي في تجربة متكاملة تتجاوز حدود الفرح التقليدي.

أرامكو: صناعة الإنسان والهوية والزمان

أرامكو صنّاعة! لا تكتفي بصناعة النفط؛ فهي تتفاعل في صناعة محتويات الزمان والمكان والإنسان. من باطن الأرض حيث ينبعث النفط إلى السطح، إلى فضاءات الثقافة والفن، من مدارس التعليم إلى المتاحف والمعارض، من حفظ التاريخ إلى صياغة الابتكار، تظل أرامكو عنصرًا فاعلًا في تشكيل الوعي الجمعي والهوية الوطنية.

بهذا المعنى، أرامكو ليست مجرد شركة نفط؛ إنها ظاهرة أنثروبولوجية مستمرة، حيث تتلاقى الطاقة والثقافة والإنسان، لتروي قصة المملكة المستمرة، المتجددة، والحية، في تفاعل دائم بين الماضي والحاضر والمستقبل.

 

* اختصاصي تراث وسياحة سعودي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .