تصنيف المتاحف يشهد انقسامًا متزايدًا بين “المتاحف الخاصة” و”المتاحف العامة”. هذا التطور يعكس تزايد انخراط الأثرياء ورجال الأعمال في تمويل المتاحف الفنية الخاصة. ومع تدفق أموال القطاع الخاص إلى السياحة المتحفية، تتحرك ديناميات السياحة نحو آفاق جديدة تجمع بين الواقع الاقتصادي والجاذبية الثقافية الخاصة. فالذوق الشخصي الذي يرافق تمويل المتاحف الخاصة يضفي قيمة فريدة من نوعها، من خلال تنويع روايات السرد الثقافي المرتبط برؤية الممول وخلق فرص سياحية مهمة.

السعودية، عبر رؤية 2030، منخرطة بفاعلية في هذه التحولات العالمية. فقد شهدت السنوات الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في افتتاح المتاحف الفنية الخاصة، مما يؤكد على كون المملكة تفتح أبوابها أمام رجال الأعمال للاستثمار في مؤسسات ثقافية تجمع بين الشغف الشخصي الثقافي والسياحي وإتاحة الوصول للزوار المحليين والإقليميين والدوليين. وتلعب هذه المتاحف الخاصة، التي تُبنى غالبًا على رؤية مؤسسيها، دورًا مهمًا في إعادة تشكيل المشهد الثقافي، وتنشيط السياحة، ودعم نمو المجتمعات الإبداعية.
من ناحية التوزيع العالمي والجوانب الاقتصادية للمتاحف الفنية الخاصة، تجدربنا الإشارة إلى دراسة قامت بها هيئة الأبحاث الهولندية Dutch Research Council (NWO) حول ظاهرة “المتاحف الخاصة”، حيث تمكنت في عام 2023 من حصر أكثر من 446 متحفًا خاصًا حول العالم.
من حيث التوزيع الجغرافي، تستحوذ أوروبا على نحو 50 % من هذه المتاحف، تليها آسيا بنسبة 28%، مع حضور بارز في كوريا الجنوبية والصين. أما أمريكا الشمالية فتحتل حوالي 14.6 %، أغلبها في الولايات المتحدة، بينما تشكل أميركا اللاتينية وأفريقيا وأوقيانوسيا مجتمعة أقل من 5 % من الإجمالي.
وتتصدر الدول التالية القائمة: ألمانيا (60 متحفًا)، الولايات المتحدة (59)، كوريا الجنوبية (50)، الصين الكبرى (30)، وإيطاليا (30)، وتمثل هذه الدول معًا نصف المتاحف الخاصة في العالم.
اقتصاديًا، يظهر التقرير أن غالبية المؤسسين ينتمون إلى شريحة الأثرياء جدًا، بمتوسط ثروة يُقدَّر بحوالي 10.8 مليار دولار أميركي لكل مؤسس. كما أن أكثر من 37 مؤسسًا وردت أسماؤهم في قائمة فوربس للمليارديرات، مما يعكس الدور المحوري للفوارق الاقتصادية العالمية في نشوء هذه المتاحف.
قصر المّقِر للحضارات في مرتفعات النماص العسيرية: نموذج عالمي
من أبرز الأمثلة قصر المقر في النماص، الذي يُعد من أهم المعالم التراثية والسياحية في منطقة عسير. وهو مشروع فردي ضخم أسسه الشيخ محمد المقر الشهري بعد جهد استمر أكثر من 35 عامًا. القصر ليس مجرد مبنى، بل قرية تراثية متكاملة تحمل بين جدرانها إرثًا معماريًا وثقافيًا فريدًا.
وكما أوضح الشيخ محمد المقر (2023)، فإن جبال النماص كانت شبه مغمورة بين ربوع الجمال الطبيعي على ارتفاع 3000 متر فوق سطح البحر في قمم جبال السروات. وأضاف أن هذا المتحف غيّر ملامح الثقافة والسياحة في المنطقة، محولًا منصة معمارية خلابة يلفها الضباب من جميع الجهات إلى وجهة عالمية للسياحة الفنية. ويُظهر نجاح المتحف كيف يمكن للمبادرات الخاصة أن ترفع مكانة منطقة معينة إلى الصدارة الدولية من خلال جذب أعداد كبيرة من الزوار، وتعزيز الصناعات الفندقية والضيافة، وخلق فرص عمل جديدة.
الملامح المعمارية: بُني باستخدام أكثر من مليوني حجر طبيعي من جبال عسير، في استلهام مباشر للهندسة التراثية المحلية. يحاكي في بعض تفاصيله العمارة الأندلسية، خاصة قصر الحمراء في غرناطة. يضم سبع قباب تمثل قارات العالم السبع، وأكثر من 365 عمودًا ترمز إلى أيام السنة. صُمم بحيث تدور أشعة الشمس حوله على امتداد نوافذه المتعددة، في انسجام مع الطبيعة. يحتوي على حدائق معلقة وقنوات مائية وزخارف من الكيشاني المنقوش بالنمط العربي الإسلامي.
المقتنيات والتراث: يضم أكثر من 20 ألف قطعة أثرية من الحضارة الإسلامية. الدور الأول: يجسد فنون العصر العباسي والأندلسي. الدور الثاني: يعرض الحضارة الإسلامية من الصين شرقًا حتى غرب إفريقيا. الدور الثالث: يركز على المخطوطات الإسلامية في الطب والفلك والرياضيات واللغة العربية والفقه. يضم أكثر من ألف مخطوطة للقرآن الكريم بخطوط ألف عالم من عصور مختلفة، ما يجعله سجلًا حيًا لتراث كتابة المصحف.
الخدمات للزوار: شقق واستراحات مطلة على تهامة لخدمة الزوار القادمين من خارج المنطقة. حديقة حيوانات صغيرة ومرافق استجمام. أروقة تحيط بها حدائق معلقة تجعل من المكان تجربة بصرية وروحية غنية.
وعليه فإن قصر المقر ليس مجرد وجهة سياحية، بل هو متحف حي للحضارة الإسلامية، يجمع بين الإبداع الهندسي والفني وبين التوثيق التاريخي للمعارف والمخطوطات.
المتاحف الخاصة ورؤية 2030: جعلت المملكة الثقافة والفنون ركنًا أساسيًا في رؤية 2030، وتمثل المتاحف الخاصة إضافة نوعية للمشروعات الثقافية التي تقودها الدولة. فهي قادرة على أن تكون معالم ثقافية بارزة تستقطب السياح المحليين والدوليين، بما تقدمه من مجموعات فنية غالبًا ما تكون أكثر تنوعًا وجرأة من تلك المعروضة في المؤسسات العامة. وعلى عكس المتاحف الحكومية، غالبًا ما تتمتع المتاحف الخاصة بحرية أكبر في تنظيم المعارض وتقديم سرديات غير تقليدية تعكس ذائقة مؤسسيها الشخصية، ما يخلق تجارب فريدة للزوار ويضيف تنوعًا للمشهد السياحي الثقافي في المملكة.
اقتصاديًا، تسهم المتاحف الخاصة في تنمية اقتصاد السياحة من خلال زيادة الطلب على الفنادق والمطاعم وخدمات النقل، إلى جانب توفير فرص عمل محلية مرتبطة بإدارة المتاحف والجولات الإرشادية والفعاليات الثقافية. وعلى نطاق أوسع، فإنها تعزز مكانة الفنون كقطاع اقتصادي واعد، وتشجع ريادة الأعمال الإبداعية، وتدفع المدن السعودية لتكون مراكز ثقافية ذات حضور عالمي.
في المقابل، يواجه المجتمع الإبداعي السعودي فرصًا وتحديات مع هذه المؤسسات. فمن جهة، تضيف المتاحف الخاصة مصداقية وهيبة للمشهد الفني الوطني، وترفع معاييره، وتوفر للفنانين منصات لعرض أعمالهم أمام جمهور دولي. ومن جهة أخرى، قد تؤدي إلى زيادة الحواجز أمام الفنانين الناشئين، نظرًا لتوقعات الجودة العالية والابتكار التي تفرضها هذه المشاريع الكبرى. وهذا يعكس ما خلصت إليه الدراسات العالمية، حيث يتعين على الفنانين المحليين والمؤسسات الصغيرة التكيف مع المعايير الجديدة التي تضعها المعالم الثقافية الممولة بسخاء.
كما تؤدي المتاحف الخاصة دورًا محوريًا كمراكز لبناء الشبكات والعلاقات. فهي تتيح لمؤسسيها الوصول إلى دوائر مؤثرة في المجالات الثقافية والاقتصادية، وفي السياق السعودي يمكن أن تتحول هذه الشبكات إلى شراكات دولية أقوى، وتعاون مع المعارض الفنية العالمية، واندماج أوسع في الاقتصاد الإبداعي العالمي.
المتاحف الفنية الخاصة في المملكة العربية السعودية تمتلك القدرة على أن تكون محركات للسياحة الجماهيرية، والابتكار الثقافي، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية. وكما حدث مع متحف قصر المقر للحضارات في النماص، يمكن لهذه المؤسسات أن تعيد صياغة صورة الوجهات السياحية عبر تقديم تجارب ثقافية غامرة تجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم. هذه التجارب نجحت لأنها متاحف شاملة، مستدامة، ومرتبطة بالمجتمع الإبداعي المحلي، ما جعلها جزءًا أساسيًا من النمو طويل الأمد لقطاع السياحة في المملكة.
*اختصاصي تراث وسياحة سعودي