من كرنفالات السيارات إلى فرحة الشوارع...
البحرين وذاكرة الأعياد الوطنية الجميلة
لم تكن أجواء الأعياد الوطنية في البحرين قديمًا مجرد مناسبة احتفالية عابرة؛ كانت حالة وطنية نابضة تشارك فيها القلوب قبل
الساحات، ويصبغ فيها الفرح البيوت والشوارع، ويصبح الوطن عنوانًا واحدًا يجتمع حوله الجميع. ورغم تطور مظاهر الاحتفال اليوم، إلا أن الذكريات التي حملتها الأجيال عن احتفالات الأمس ما زالت حيّة، تتردد في ذاكرة البحرينيين كأغنية قديمة لا تفقد جمالها، وتعكس روح البساطة والبهجة التي كانت تميّز المجتمع.
وعندما نستعيد صور الاحتفال في العقود الماضية، فإن أول ما يقفز إلى الذاكرة هو كرنفالات السيارات الكبيرة التي كانت تجوب شوارع المنامة والمحرق والرفاع، مزدانة بالأعلام والشرائط والأضواء، يتسابق أصحابها في تزيينها بأكثر الأفكار إبداعًا، فيتحول الكرنفال إلى عرض وطني متحرك ينقل فرحة البحرينيين عبر المدن والقرى. كانت تلك السيارات، التي يشار إليها اليوم ببساطة بـ”السيارات الكبيرة”، رمزًا لعصر حمل الكثير من الألفة والدفء الاجتماعي، حيث يشارك السائقون والأهالي في تزيينها، وكأن كل سيارة مشروع احتفالي جماعي يجسّد روح العائلة البحرينية الواحدة.
ومع اقتراب يوم السادس عشر من ديسمبر، كانت الشوارع تكتسي بالأعلام على النوافذ وأسوار المنازل، وترتفع الزينة الحمراء والبيضاء في الأسواق، وتبدأ مكبرات الصوت ببث الأغاني الوطنية القديمة التي تحرك في القلب تلك المشاعر التي لا تتكرر إلا مع الوطن. وفي المساء، تتلألأ الألعاب النارية فوق البحر، لترسم أشكالًا ملونة كانت تبهر الأطفال وتجمع العائلات على الأرصفة وفي الحدائق العامة.
ويروي كبار السن أن الاحتفال لم يكن مقتصرًا على الكرنفالات والفعاليات الرسمية، بل كان يمتد إلى البيوت نفسها؛ فربات البيوت كنّ يجهزن الأطباق التقليدية، ويتبادلن الأكلات مع الجيران، بينما يخرج الأطفال بملابس تحمل ألوان العلم، يلوّحون بالأعلام الصغيرة ويرددون الأناشيد الوطنية. كانت البحرين كلها تتحول في ذلك اليوم إلى بيت كبير، تتقاسم فيه القرى والمدن الفرح ذاته، وتحمل معه الإحساس ذاته بالانتماء.
أما في المحرق، فقد كانت الاحتفالات تحمل طابعًا خاصًّا. فالساحات القديمة مثل ساحة الفرجان ومناطق الدرب كانت تتحول إلى مسارح مفتوحة للموسيقى الشعبية والرقصات التراثية، ويجتمع الأهالي حول الفرق الشعبية التي تقدم لوحات من الفلكلور البحريني الأصيل. وحتى الأسواق، مثل سوق المحرق القديم، كانت تتأنق في هذا اليوم، فتعرض المحال زينة العلم البحريني، وتضع الأزياء التقليدية المزخرفة، بينما يجتمع الناس لتبادل التهاني وتذكّر أيام الكرنفالات الكبيرة التي كانت تمر من شوارعهم وسط هتافات الناس وتصفيقهم.
كما كانت الأندية الرياضية والاجتماعية تلعب دورًا مهمًّا في الاحتفالات، حيث تنظم عروضًا ومسابقات وفعاليات شبابية، وتشارك في الاستعراضات الوطنية، ما يعكس الدور الكبير للمجتمع المدني في صنع الفرحة الوطنية. وفي تلك الحقبة، كان الشعور بالبساطة والحيوية يطغى على الاحتفاء، فقد كانت الكلمة الأولى للفرحة الشعبية الصادقة التي تنبع من قلب البحريني قبل أي مظاهر حديثة.
واليوم، ورغم تطور أساليب الاحتفال وتنوع فعالياته الرسمية والمجتمعية، إلا أن روح تلك الأيام ما زالت حاضرة في ذاكرة الناس. إذ ما زال كثيرون يتذكرون كيف كانت كرنفالات السيارات تمتد حتى ساعات الليل، وكيف كان الأطفال يركضون خلفها في الشوارع بفرحٍ لا يوصف، وكيف كانت أصوات الأبواق والأناشيد الوطنية تملأ المكان ببهجة لا تُنسى. وما زالت تلك اللحظات تُروى للأجيال الجديدة، لتعرف أن الوطن ليس مجرد أرض، بل ذكريات وعلاقات وأوقات صنعتها القلوب.
إن مشهد الاحتفالات القديمة يعكس روح البحرين الأصيلة روح تُجسّد التلاحم الاجتماعي، وتُظهر كيف كان الناس يحتفون بوطنهم بصدق وبساطة، دون تكلف أو مبالغة، وكيف كان العيد الوطني مناسبة لتجديد المحبة بين الأهالي، وتأكيد الانتماء لهذا الوطن الذي جمعهم على الخير والوفاء.
وفي النهاية، يظل العيد الوطني في ذاكرة البحرينيين أكثر من تاريخ وأكثر من مناسبة؛ هو صفحة مضيئة من حكاية وطن، كتبتها أجيال عشقوا البحرين بقلوبهم، واحتفلوا بها بأفراح تفيض دفئًا وبساطة. ومن كرنفالات السيارات الكبيرة إلى شوارع اليوم المضيئة بالفرح تبقى البحرين هي البحرين، وطنًا يزداد جمالًا بتاريخه، وبشعبٍ لا يزال يعبّر عن حبه بكل الطرق، القديمة والجديدة.
