العدد 6269
السبت 13 ديسمبر 2025
شارع عماد الدين
السبت 13 ديسمبر 2025

لعل مصر أسبق الدول العربية قاطبة في تسمية شوارع عاصمتها القاهرة، ويعود الفضل في ذلك إلى محمد علي باشا باني مصر الحديثة، فهو الذي أصدر مرسوماً بتحديد أسماء الشوارع وتعليق لافتات بهذه الأسماء على كل منها، أما قبل اتخاذه هذه الخطوة الحضارية فقد كانت الطُرق تُعرف بأسماء الحرف والمهن الشعبية منذ عصر الدولة الفاطمية، كحارة السقايين والفحامين.

وعلى خلاف العواصم العربية التي شهدت موجات متعاقبة من تغيير أسماء شوارعها تبعاً لتغير أنظمتها، فإنه يُحسب لنظام الرئيس جمال عبدالناصر إبقاءه على أسماء شوارع القاهرة التي اشتهرت بها تاريخياً بخط أصغر تحت أسمائها الجديدة، حيث يُكتب شارع فلان سابقاً.

لكن هناك شارع في القاهرة ارتبط اسمه بالفن المسرحي والسينمائي ألا هو "شارع عماد الدين"، والذي جعله الكاتب المسرحي الكبير ألفريد فرج عنواناً لكتابه الجميل والطريف الصادر عن دار الهلال، العدد 659 نوفمبر 2005، وفي هذا الكتاب يأخذنا فرج في جولات خاطفة ممتعة عن حكايات أهل الفن والنجوم الذين ذاع صيتهم ارتباطاً باسم هذا الشارع العتيد، حيث يصفه بأنه كان مركزاً للإشعاع المسرحي والسينمائي والموسيقي طوال القرن العشرين، وأنه كان أيضًا يتوسط مواصلاتها العامة ويضيء ليالي المدينة بالأضواء وبثقافة وبهجة الفنون، وكانت تقع فيه نقابة الممثلين. 

ومن أبرز المحطات التي يأخذنا المؤلف إليها في جولته في هذا الشارع حديثه عن أحمد فارس الشدياق الذي سبق أن كتبنا في هذا المكان مقالات عن جهوده الريادية في تطوير اللغة في أواسط القرن التاسع عشر، حيث يشير المؤلف إلى أنه عثر على وصف للمسرح في كتابه "كشف المخبأ في فنون أوروبا".

وإذا كان ألفرد فرج الكاتب المسرحي الذي يتميز قلمه بالرشاقة اللغوية لكنه لا يصل بالطبع إلى مرتبة عميد الأدب العربي طه حسين يذكر بأن الشدياق معروف في مصر بذلك الكتاب وبكتابه الآخر "الساق على الساق فيما هو الفارياق"، فإنك لا تفهم لماذا تجاهل طه حسين كلياً هذا الأديب واللغوي اللبناني الكبير الشدياق في جل مؤلفاته أو كلها على الأرجح.

وفي محطة أخرى تحت عنوان تحمل مفرداته مفاهيم متناقضة: "صورة من الألبوم لمطرب الملوك والأمراء وفنان الشعب الأستاذ محمد عبدالوهاب"، ينقل فرج عن عبدالوهاب أنه كان في السابعة من عمره عندما شاهد واستمع لغناء سيد درويش.

وفي دمنهور استمع هذا الأخير لصوت الطفل عبدالوهاب "حملني بذراعيه ليقبلني ويهنئني.. وشعرت وكأن سيد درويش الفنان الكبير يريد أن يرفعني إلى مستواه".

وتحت عنوان "أم كلثوم.. أغنية القرن العشرين"، يشيد المؤلف بها أيما إشادة مؤكدًا أنها أسهمت في ترقية كلمات الغناء بانتقاء شعر الفصحى الراقي وشعر العامية الرفيع لأحمد رامي وبيرم التونسيس.

وأخيرًا فإن أجمل ما جمله المؤلف عن ذلك العصر الجميل سؤال واجه وفدا مصريا كان هو من ضمنهم: "كيف اجتمعت في الزمن الواحد عبقريات: أم كلثوم وعبدالوهاب وسيد درويش والفنان محمود مختار صاحب تمثال نهضة مصر والرسامين محمود سعيد وأحمد صبري والشعراء أحمد شوقي وأحمد رامي وبيرم التونسي وفطاحل المسرح مثل يوسف وهبي ونجيب الريحاني وكبار الأدباء طه حسين وتوفيق الحكيم والعباد ورواد الصحافة أنطون جميل ومحمد التابعي ومحمود عزمي والعالم الدكتور مصطفى مشرفة والاقتصادي طلعت حرب وأحمد لطفي السيد ومصطفى عبدالرازق".

 

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .