لم تأتِ نتائج الانتخابات النيابية العراقية بخلاف ما هو متوقع لتغيير المشهد السياسي السائد منذ نحو عقدين، ذلك أن القوى السياسية التي حصدت أعلى عدد من المقاعد هي نفسها التي كان متوقعا اكتساحها أكبر عدد من المقاعد، وقد تمكنت من إعادة تموضعها في الفضاء السياسي، يتصدرها “الإطار التنسيقي” الذي فاز بـ 175 مقعداً من مجموع مقاعد البرلمان (329)، ومع ذلك فقد كانت لافتة الهزيمة القاسية المدوية التي مُنيت بها التحالفات المدنية الأربعة الرئيسة: “البديل” و“التيار المدني الديمقراطي” و”الفاو وزاخو” و”مدنيون”، ولعلها أكبر تحالفات مدنية تنزل بهذا الحجم في تاريخ العراق منذ إقرار الدستور الحالي، إن لم نقل في تاريخ انتخابات الأقطار العربية مجتمعة، فكل تيار من تلك التيارات المدنية الأربعة ينضوي في إطاره عدد من الأحزاب. وهنا تنتصب أمامنا عدة ملاحظات هي من المؤكد أدت إلى ذلك الحصاد الصفري المحزن.
أولاً: نحن أمام تعددية لا أحزاب مدنية يجمعها هدف مركزي واحد هو إعادة بناء الدولة العراقية على أسس مدنية، بل وتعددية غير مفهومة لعدة ائتلافات تجمع تلك التحالفات، بدلاً من ائتلاف واحد يجمعها، أو اثنين على الأكثر، أخذا بعين الاعتبار بطبيعة الحال بواقع العراق التعددي. ثانياً: أن تكرر تيارات القوى المدنية بأن المال السياسي وشراء الذمم هي التي أفضت إلى هزيمتها فذلك تحصيل حاصل لا يبرر هزيمتها. ثالثاً: من الواضح جيداً بأن التيارات المدنية لم تستعد استعداداً كافياً لخوض معركة انتخابية حامية الوطيس، بل لم تقم حتى باستمزاج أو استقصاء مزاج الناخب العراقي مقدماً. ولعلنا نجد في النقد الذاتي الشجاع الذي صرح به مرشح تحالف “البديل” الدكتور عماد جاسم أبرز العوامل التي أفضت إلى خروج التيارات المدنية بتلك النتيجة المخيبة للآمال، ومن ذلك التجاذبات التي حدثت بين التحالفات الأربعة: كنا على الأقل نتوقع نتائج فوز بسيطة لا خسارة صفرية مدوية.
كان لدينا أمل على الأقل في الفوز بمقعد واحد في محافظات النجف وذي قار وواسط. وانتقد جاسم غياب تنسيق تنظيمي حقيقي. أكثر من ذلك فقد انتقد جاسم عدم رضا الناخبين عن بعض الشخصيات التي انضوت في أطر التحالفات الثلاثة الرئيسة، مضيفاً: لقد تعامل خطابنا الإعلامي باستخفاف، واقتصرت حملاتنا الدعائية على أمور بسيطة، كالاكتفاء بمخاطبة الناخبين دقيقتين عبر السوشال ميديا. وبشكل عام لم نشعر بدهشة كبيرة بتلك الخسارة لكن الغريب عدم فوز شخصيات وازنة ذات ثقل جماهيري. وعلى هذا النحو صرّح المهندس عقيل التميمي: نعلنها صراحةً وعلانية: لقد فشلنا نحن القوى المدنية فشلاً ذريعاً في إقناع الناخبين بمشروعنا.. لأننا لم نجِد فن التفاوض فيما بيننا، ولأن نرجسيتنا كانت أعلى من إيثارنا، وحبنا للتشتت أقوى من تمسكنا ببعضنا، وكنا بارعين في الانشطارات.
كاتب بحريني